شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٥٢ - رسالة أبي جعفر ع إلى سعد الخير
الّذين يكتمون ما أنزل اللّه و كتب على نفسه الرّحمة فسبقت قبل الغضب فتمّت صدقا و عدلا: فليس يبتدئ العباد بالغضب قبل أن يغضبوه و ذلك من علم اليقين و علم التقوى و كلّ أمّة قد رفع اللّه عنهم علم الكتاب حين نبذوه و ولّاهم عدوّهم حين تولّوه و كان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه و حرّفوا حدوده فهم يروونه و لا
فى قوله أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ و فى قوله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ و فى قوله فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّٰاعِ إِذٰا دَعٰانِ
(فلعن اللّه الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ)
(١) من الامر بأداء حقوق ذوى القربى و مودتهم و اطاعتهم و ولايتهم و الاقرار بفضائلهم و غير ذلك مما ذكر فى القرآن الكريم
(و كَتَبَ عَلىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)
(٢) أى فرضها أو قدرها و هى تستعمل تارة فى الرقة المجردة عن الاحسان و تارة فى الاحسان المجرد عن الرقة و هو المراد هنا لان اللّه الملك المتعال لا يوصف برقة الطبع و الانفعال
(فسبقت قبل الغضب)
(٣) أى سبقت الرحمة إليه تعالى من حيث الصدور أو الى الخلق من حيث الوقوع قبل الغضب و وصلت قبل وصوله ألا ترى أن بداية نوع الانسان مثلا و وجوداته و كمالاته بمحض الرحمة و الاحسان، ثم الغرض من ايجاده هو رجوعه إليهما و ان نزول الغضب و العقوبة عليه انما هو لسوء عمله و من هنا يظهر أن الرحمة سابقة على الغضب بمراحل
(فتمت صدقا و عدلا)
(٤) لعل المراد بتمامية صدق الرحمة و عدلها وقوعها فى موقعها على وجه الصواب اذ لا يتصور الخطاء من رحمته تعالى بخلاف رحمة الانسان بعضهم بعضا و من رحمته تعالى أن جعل لعباده خليفة و أوجب طاعتهم له ليستحقوا بذلك الرحمة ثم أشار الى سبقها على الغضب
بقوله: (فليس يبتدى العباد بالغضب قبل أن يغضبوه)
(٥) و يفعلوا ما يوجب غضبه و عقوبته كما يبتديهم بالرحمة قبل أن يفعلوا ما يوجب استحقاقهم بها كما عرفت من احسانهم فى الايجاد و اعطائهم لوازم الوجودات
(و ذلك من علم اليقين و علم التقوى)
(٦) أن ذلك العلم المذكور و هو العلم بان غضبه على من لم يقبل منه رضاه الى آخره من علم اليقين الّذي لا ريب فيه و علم التقوى الّذي للمطيع الخالص عن شبهات الاوهام
(و كل أمة قد رفع اللّه عنهم علم الكتاب حين نبذوه)
(٧) أن طرحوه من وراء ظهورهم و حين ظرف للرفع و قيد للمبتدإ أيضا و المراد بعلم الكتاب العلم بمواعظه و نصائحه و مجمله و مفصله و محكمه و متشابهه و حلاله و حرامه و أمره و نهيه و ناسخه و منسوخه الى غير ذلك من العلوم المندرجة فيه التى بها يتم نظام الخلق فى الدنيا و الآخرة و أعظمها العلم بالولاية
(و ولاهم عدوهم حين تولوه)
(٨) أى جعل واليهم عدوهم الدينى الّذي يتبرءون منه فى الآخرة و يلعنونه لاضلاله اياهم حين تولوا ذلك العدو و أحبوه أو حين تولوا الكتاب و أدبروا عنه و أعرضوا عن علمه فان التولى يجيء لكلا المعنيين،