الأصول - النجم آبادي، الميرزا أبو الفضل - الصفحة ٩٠ - الأخبار المستدلّ بها للاستصحاب
و بالجملة؛ فمن المقطوع به أنّ العلم بالحالة السابقة و لو كان بأدنى درجة منه، مثل اليقين الّذي هو أعلى مراتب درجة الإدراك في الجملة شرعا، و لا فرق بين مراتبه من الجهة المذكورة، فكأنّ هذه المقدّمة مطويّة في قوله (عليه السّلام): «لا تنقض» .. إلى آخره، فقد سيقت توطئة للتنزيل الآخر الّذي هو الاستصحاب، كما لا يخفى.
ثمّ إنّه يتولّد عند ذلك إشكال يرجّح به اختصاص حجيّة الاستصحاب بالشكّ في الرافع، توضيحه: أنّه قد تحقّق أنّه لو لا استفادة التنزيل المزبور لم يكن الاستصحاب في مطلق العلم بالحالة السابقة حجّة، بل كان مختصّا باليقين بالمعنى المذكور، و إنّما التنزيل أثبت الحجيّة في مطلق المراتب.
فحينئذ نقول: إنّه لا خفاء في أنّ المراتب مختلفة قوّة و ضعفا، بحيث يكون بعضها أقرب إلى اليقين، و بعضها أبعد منها، إلى أن ينتهي إلى البعيد جدّا.
و من المعلوم؛ أنّ ممّا يوجب الاختلاف بينها هو اختلاف أحوال المعلوم أيضا، لكون العلم طريقا، حيث إنّ العلم بحدوث شيء قابل للبقاء، بحيث يكون مقتضيه- حتّى حين الشكّ موجودا- أقوى من العلم بالأمر الّذي هو حدوثيّ محض، بمعنى أنّه ليس فيه اقتضاء البقاء، فالأوّل أقرب إلى اليقين من الثاني.
و بعبارة اخرى: الشكّ في المقتضي يوجب بعد العلم عن اليقين، بخلاف ما لو علم بوجوده، و إنّما شكّ في الرافع، فهو أقرب إلى اليقين لعدم الموضوعيّة للعلم و اليقين، كما لا يخفى.
فعند ذلك نقول: إنّ القدر المتيقّن من التنزيل المزبور بالنسبة إلى الأوّل؛ إذ لا عموم في البين بل إنّما استفيد التنزيل من الإطلاق، فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن منه المفروض وجوده.