رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٤٠ - حي بن يقظان
جن و حن [١] و من حصل وراء هذا الإقليم و غل فى أقاليم الملائكة فالمتصل منها بالأرض إقليم سكنته الملائكة الأرضيون و إذا هم طبقتان طبقة ذات الميمنة و هى علامة أمارة و طبقة تحاذيها ذات الميسرة و هى مؤتمرة عمالة و الطبقتان تهبطان إلى أقاليم الجن و الإنس هويّا و تمعنان فى السماء رقيّا و يقال إن الحفظة الكرام و الكاتبين منهما [٢] و إن القاعد مرصد اليمين من الأمارة و إليه الإملاء [٣] و القاعد مرصد اليسار من العمالة و إليه الكتاب [٤] و من وجد له إلى عبور هذا الإقليم سبيل خلص إلى ما وراء السماء خلوصا فلمح ذرية الخلق الأقدم و لهم ملك واجد مطاع فأول حدوده معمور بخدم لملكهم الأعظم عاكفين على العمل المقرب إليه زلفى [٥] و هم أمة بررة لا تجيب داعية نهم أو قرم أو غلمة أو ظلم أو حسد أو كسل قد و كلوا بعمارة ربض هذه المملكة و وقفوا عليه و هم حاضرة متمدنون يأوون إلى قصور مشيدة و أبنية سرية تنوف فى عجن طينتها حتى انعجن ما لا يشاكل طينة إقليمكم [٦] و إنه لأجلد من الزجاج و الياقوت و سائر ما يستبطأ أمد بلائه و قد أملى لهم فى أعمارهم و أنسئ فى آجالهم فلا يحرمون دون أبعد الآماد و وتيرتهم عمارة للربض طائعين و بعد هؤلاء أمة أشد اختلاطا بملكهم مصرون على خدمة المجلس بالمثول و قد ضئنوا فلم يتبدلوا بالاعتمال [٧] و استخلصوا للقربى و مكنوا من رموق المجلس الأعلى و الحفوف حوله و متعوا بالنظر إلى وجه الملك وصالا لا فصال فيه و حلوا تحلية اللطف فى الشمائل و الحسن و الثقافة فى الأذهان و النهاية فى الإشارات و الرواء الباهر و الحسن الرائع و الهيئة البالغة و ضرب لكل واحد منهم حد محدود
[١] أراد بالجن القوة المتعلقة من الحواس.
[٢] أراد به النفوس الناطقة الإنسانية. أى إذا تجاوزت بنظرك رتبة هذه القوى البدنية انتهيت فى النظر إلى رؤية الملائكة.
[٣] أراد بالحفظة و الكرام الكاتبين قوة العقل من قوله تعالى «و إن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون» و ذلك لأن العقل هو الذي يحفظ الإنسان و يدبر أمره.
[٤] فى الإنسان قوتان، قوة علمية و قوة عملية. و قد جعل العلمية ذات اليمين لشرفها، و فضلها على الأخرى العملية.
[٥] أشار به إلى النفوس الفلكية، فإنها تشرف بالقرب من اللّه فى الاستكمال. و كانوا يعتقدون ذلك، و أنهم أمة بررة منزهة عن القوى الأرضية و الغضبية و الشهوانية.
[٦] أى ليست هى مجردة عن المادة كل التجريد، بل ملابسون لها على نوع من الملابسة.
و قوله يأوون إلى قصور، هى صور الأفلاك التي شبهها فى علوها و ارتفاع محلها بالقصور المشيدة.
[٧] أشار به إلى العقول الفعالة المفارقة للمادة أصلا.