رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٣٨ - حي بن يقظان
اليسار من العالم التي هى المغرب فإذا توجهت منها تلقاء المشرق رفع لك إقليم لا يعمره بشر بل و لا نجم و لا شجر و لا حجر إنما هو بر رحب و يم غمر [١] و رياح محبوسة و نار مشبوبة و تجوزه إلى إقليم تلقاءك فيه جبال راسية و أنهار و رياح مرسلة و غيوم هاطلة و تجد فيها العقيان و اللجين و الجواهر الثمينة و الوضيعة أجناسها و أنواعها إلا أنه لا نابت فيه و يؤديك عبوره إلى إقليم مشحون بما خلا ذكره إلى ما فيه من أصناف النبات نجمة و شجرة مثمرة و غير مثمرة محبة و مبرزة لا تجد فيه من يضيء و يضفز من الحيوان و تتعداه إلى إقليم يجتمع لك ما سلف ذكره إلى أنواع الحيوانات العجم سابحها و زاحفها و دارجها و مدومها و متولداتها إلا أنه لا أنيس فيه و تخلص عنه إلى عالمكم هذا و قد دللتم على ما يشتمله عيانا و سماعا فإذا قطعت سمت المشرق وجدت الشمس تطلع بين قرنى الشيطان فإن للشيطان قرنين قرن يطير و قرن يسير [٢] و الأمة السيارة منها قبيلتان قبيلة فى خلق السباع و قبيلة فى خلق البهائم [٣] و بينهما شجار قائم و هما جميعا ذات اليسار من المشرق، و أما الشياطين التي تطير فإن نواحيها ذات اليمين من المشرق [٤] لا تنحصر فى جنس من الخلق بل يكاد يختص كل شخص منها بصيغة نادرة فمنها خلق لمس فى خلقين أو ثلاثة أو أربعة كإنسان يطير و أفعوان له رأس خنزير و منها خلق هو خداع من خلق مثل شخص هو نصف إنسان و شخص هو فرد رجل إنسان و شخص هو كف إنسان أو غير ذلك من الحيوان و لا يبعد أن يكون التماثيل المختلطة التي يرقمها المصورون منقولة من ذلك الإقليم، و الذي يغلب [٥]
[١] يشير إلى الفلك العاشر الذي هو علة العلل و هو الذي له الأمر المطلق، و قدره ينزل إلى سائر الموجودات. و يشير بما يأتى إلى فناء الأجسام عنده، لا خلاء و لا ملاء. بل عنده تنقطع الأجسام. و سطحه ينتهى إلى لا شىء. و هذا النظام هو الذي كانت تجرى عليه فلسفة اليونان و فلسفة العصور الوسطى كلها.
[٢] أراد بالقرن الذي يطير القوى المدركة فى الإنسان، و القرن الذي يسير القوى المحركة له.
و شبه الإدراك بالطيران لشدة حركته و الوصول بها إلى الأشياء البعيدة. و شبه المحركة بالسير لبطئها، و الوصول بها إلى الأشياء القريبة.
[٣] يشير بهما إلى القوة الغضبية و القوة الشهوانية.
[٤] هذه هى القوة المتخيلة.
[٥] أراد به النفس الإنسانية.