رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٢٧٣ - القول فى احوال النفس عند مفارقتها
الجرم الاقصى و المتحرك الاقصى الموسوم عند ارباب الشرائع بالعرش و بتوسط هذه الاجرام العلوية تبلغ الى الاجرام الارضية على ما اوضحته البراهين الشافية العيانية المعدودة عند المتشرعين و الفلاسفة فتبين ان بهذه الافاضة اول ما تنال الاجرام العلوية فى ذواتها على اقصى غاية الصفاء و التهيؤ لقبولها لبعدها عن التضاد اقصى بعد و لاعتدالها فى ذواتها و لو لا ذلك فى جوهرها لما صلحت ان تكون اقرب الأشياء من الامر الالهى و اول الأشياء قبولا حتى جرى على لسان اكثر الامم ان اللّه تعالى على السماء و على العرش و اليه ترفع الايدى فى الدعاء فتبين ان هذه الاجسام لن تخلو عن قبول هذا الفيض و ان هذا الفيض انما يحصل اولا فيها و يصل الينا بتوسطها و كلما قبل من الفيض جرم اعلى فهو ازكى فى ذاته حتى ينتهى قبول الفيض الى فلك القمر و اما الاجرام البسيطة التي دون فلك القمر فانها لما كانت بعيدة عن الصفو متضادة فى الصورة لم تصلح لقبول ذات ذلك الفيض و هو الصورة المكملة لذوات الاجسام الارضية الطبيعية ثم كلما تخلص منها من المواد صلاحيته ابقى ذاتا منها و ابعد من التضاد قبلت زيادة من الفيض حتى تنتهى المواليد الى باب العالم الارضى و هذا الانسان فلانه اصفى جواهر الارضى واعد لها و ابعدها عن التضاد و صار لمشابهته بهذه الصفات للاجرام العلوية مستعد القبول الفيض الالهى فمن هذه الاقاويل اتضح ان الاجرام العالية ذوات نفوس ناطقة و ذلك ما اردنا ان تبين-
القول فى احوال النفس عند مفارقتها
النفس الانسانية اذا فارقت و هى هيولانية لم تتصور بعد بشيء من الصور المعقولة التي بها تقوم بالفعل عقلا فقد اختلف العلماء و الحكماء فى قوامها دون البدن فاما الاسكندر الافروديسى المفسر فانه كان يرى ان هذه القوة [١] تبطل عند فساد البدن و عليه يؤل قول ارسطاطاليس و اماثامطيوس فانه يخالفه فى هذا الظن و يرى ان القوة باقية بعد فساد البدن و عليه يؤل قول الفيلسوف و هذا القول هو الصحيح
[١] صف- الصورة هنا و فيما بعد.