رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٣٥ - حي بن يقظان
الخواص منهم المكتسبون منة لم يتأت للبشر بالفطرة [١] و مما يفيدها الاغتسال فى عين خرارة فى جوار عين الحيوان الراكدة إذا هدى إليها السائح فتطهر بها و شرب من فراتها سرت فى جوارحه منة مبتدعة يقوى بها على قطع تلك المهام و لم يترسب فى البحر المحيط و لم يكأده جبل قاف و لم تدهدهه الزبانية مدهدهة إلى الهاوية فاستزدناه شرح هذه العين فقال سيكون قد بلغكم حال الظلمات المقيمة بناحية القطب فلا يستطيع عليها الشارق فى كل سنة إلى أجل مسمى أنه من خاضها و لم يحجم عنها أفضى إلى فضاء غير محدود قد شحن نورا فيعرض له أول شىء عين خرارة تمد نهرا على البرزخ [٢] من اغتسل منها خف على الماء فلم يرجحن إلى الغرق و تقمم لك الشواهق غير منصب حتى تتلخص [٣] إلى أحد الحدين المنقطع عنهما، فاستخبرناه عن الحد الغربى لمصاقبة بلادنا إياه فقال إن بأقصى المغرب بحرا كبيرا حامئا قد سمى فى الكتاب الإلهى عينا حامئة [٤] و إن الشمس تغرب من تلقائها و ممد هذا البحر من إقليم غامر فات التحديد رحبه لا عمّار له إلا غرباء يطرؤون عليه و الظلمة معتكفة على أديمه [٥] و إنما ينمحل المهاجرون إليه لمعة [٦] نور مهما جنحت الشمس للوجوب و أرضه سبخة كلما أهلت بعمار نبت لهم فابتنى بها آخرون، يعمرون فينهار و يبنون فينهال و قد أقام الشجار بين أهله بل القتال فأينما طائفة عزت استولت على عقر ديار الآخرين و فرضت عليهم الجلاء تبتغى قرارا، فلا يستخلص إلا خسارا [٧] و هذا ديدنهم [٨] لا يفترون و قد تطوق
[١] يريد علم المنطق.
[٢] أى يصير مددا للعقل الهيولانى المستعد للمعارف.
[٣] أى بلغ من علم المنطق درجة بحيث يطلع على الحقائق من غير تعب و لا نصب.
[٤] أشار بها إلى الهيولى. و غروب الشمس فيها نصيب الصورة منها و ملابستها إياها.
[٥] أى أنه من إقليم واسع مشتمل على أصناف من الكائنات من العناصر. و الصورة طارئة عليها من موضع بعيد عن موطن الهيولى. إذ من حق الهيولى أن تكون بلا صورة. فهناك تكون الظلمة مستولية، و الصورة نور من واهبها، و بواسطتها تزول الظلمة عن الهيولى المجردة.
[٦] لمعة، أى أن الكائنات الفاسدة استحدث نورها من صورها المستفادة عند أفول الصورة فى هيولاها.
[٧] أى أن هذه الأحوال طبيعة فى هذه الكائنات الفاسدة.
[٨] أى أعراض تلزمها السبب الهيولى.