رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٣٨١ - الفصل الرابع فى ذكر عشق النفوس الحيوانية
طبيعى مبدأه عشق غريزى و ذلك ظاهر فى كل واحد من أقسامها* أما فى الجزء الحاسّ منها خارجا فلإلفه بعض المحسوسات دون بعض و استكراهه بعضا دون بعض و لو لا ذلك لتساوت العوارض الحسية عند الحيوانات و لما تصونت عن مباشرة المضرات بها و لتعطلت القوة الحسية فى حقيقتها* و أما الجزء الحاس باطنا فلاطمئنانه الى الراحة المنبعثة عن التخيلات المروّحة و ما ضاهاها اذا وجدت و تشوقه اليها اذا فقدت* و أما فى الجزء الغضبى فلنزاعه الى الانتقام و التغلب و الفرار من الذل و الاستكانة و ما ضارع ذلك. و أما فى الجزء الشهوانى فلنقدم أمامه مقدمة ينتفع بها بذاتها و فيما يبنى عليها من القول فى الفصول و هو أن العشق يتشعب قسمين (أحدهما) طبيعى و حامله لا ينتهى بذاته دون غرضه بحال من الاحوال ما لم يصادمه دونه قاسر خارجى كالحجر فانه لا يمكن أبدا أن يقصر عن تحصيل غايته و هو الاتصال بموضعه الطبيعى و السكون فيه من ذاته اللهم الا من جهة عارض قهرى و كالقوة المغذية و سائر القوى النباتية فانها لا تزال من أول تجذب الغذاء و تلحمه بالبدن ما لم يصدها عنه مانع غريب (و الثاني) عشق اختيارى و حامله قد يعرض بذاته عن معشوقة لتخيل استضرار بعارض أمامه يرجح قدر ضرره على أوزان نفع المعشوق مثل الحمار فانه اذا لاح له شخص الذئب متوجها نحوه أقصر عن قضم الشعير و أمعن فى الهرب لعرفانه ان ما يتصل به من ضرر العارض أرجح من منفعة المعرض عنه* ثم قد يكون معشوق واحد لعاشقين (أحدهما)