رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٣٧ - حي بن يقظان
الجدوى و مقاربتهم مؤذية و مدنها خمس مدن [١]. و يتلوها مملكة تأوى إليها أمة يفسدون فى الأرض حبب إليهم الفتك و السفك و الاغتيال و المثل مع طرب و لهو يملكهم أشقر مغرى بالنكب و القتل و الضرب و قد فتن كما يزعم رواة أخبارها بالملكة الحسنى المذكور أمرها قد شغفته حبّا و مدنها سبع مدن [٢]. و يتلوها مملكة عظيمة أهلها غالون فى العفة و العدالة و الحكمة و التقوى و تجهيز جهاز الخير إلى كل قطر و اعتقاد الشفقة على كل من دنا و بعد و بذل المعروف إلى من علم و جهل.
و قد جسم حظهم من الجمال و البهاء و مدنها سبع مدن [٣] و يتلوها مملكة كبيرة يسكنها أمة غامضة الفكر مولعة بالشر فإن جنحت للإصلاح أتت نهاية التأكيد و إذا وقعت بطائفة لم تطرقها طروق متهور بل توختها بسيرة الداهى المنكر لا تعجل فيما تعمل و لا تعتمد غير الأناة فيما تأتى و تذر و مدنها سبع مدن [٤] و يتلوها مملكة كبيرة منتزحة الأقطار [٥] كثيرة العمار بقعة لا يتمدنون إنما قرارهم قاع صفصف مفصول باثنى عشر حدّا فيها ثمانية و عشرون محطّا لا تعرج طبقة منهم إلى محط طبقة إلا إذا خلا من أمامها عن دورهم فسار عنه إلى خلافها [٦] و إن أمم الممالك التي قبلها لتسافر إليها و تتردد فيها و يليها مملكة لم يدرك أفقها إلى هذا الزمان لا مدن فيها و لا كور و لا يأوى إليها من يدركه البصر [٧] و عمارها الروحانيون من الملائكة لا ينزلها البشر و منها ينزل على من يليها الأمر و القدر و ليس وراءها من الأرض معمور فهذان الإقليمان بهما يتصل الأرضون و السماوات ذات
[١] يشير به إلى فلك الشمس، و وصف الشمس بأنها أوتيت بسطة فى الجسم لأنها عظيمة المقدار دون غيرها.
[٢] ذلك فلك المريخ، و هذه الصفات صفاته كما يزعم المنجمون.
[٣] و ذلك فلك المشترى.
[٤] و ذلك فلك زحل.
[٥] أى قضاء واحد مستو غير منقسم إلى بقاع مختلفة.
[٦] أشار بهذا إلى منطقة هذا الفلك التي تسمى فلك البروج، و قد قسموه إلى اثنى عشر قسما سمى كل قسم منها باسم، و هى الحمل و الثور، و الجوزاء و السرطان، و الأسد و السنبلة، و الميزان و العقرب، و القوس و الجدى، و الدلو و الحوت. و جعلها محطا إذ كان مقدار سير كل منها بقدر لا يتعداء و أبعاد ما بينها ثابتة لا تتغير «لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر، و لا الليل سابق النهار».
[٧] أشار به إلى الفلك التاسع، و يقولون إنه لا يعرف مقداره، لخلوه من الكواكب.