رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٤٩٦ - امّا فى المسألة الثانية
و كذا يقتضيه البحث العقلى البرهانى. فامّا التوهّم الخيالى المستفاد من الحواسّ على حسب العادة، فانّه ينبوء [١] عن تصوّر اللّانهاية، و يكاد يتحقّقه لمشاهدة الأشياء و الازمنة متناهية الاطراف، الّا ان يتخيّل له من استحالة لا نهاية فيها يتخيّل مثله فى البارئ جلّ ثناؤه وجوده فى الازل بلا نهاية مع انّ ذلك ليس ينكره العقل. و الاعجب ان يكون فى الازل ثمّ لا زمان و لا نور و لا ظلمة و لا خلق، ثم يعنّ له رأى فيخلق الأشياء، و يجود بعد ما بخل فى الابد، فيفعل بقوّة لا نهاية لها فعلا متناهيا، ثمّ يعرضه التلف و الافساد، ثمّ اعادته من الرأس. و هل هو الّا عين العبث؟ [٢] هذا ما اوردوه من الحجج القويّة.
و حجّة أخرى اوردوها و هى انّه قال ان كان اللّه تعالى احدث العالم فلا يخلو امّا ان يكون عالما به قبل حدوثه او لم يكن، و من رأى الجمهور انّه كان عالما به، و من المعلوم ان المعلوم باليقين واجب الوجود ضرورة.
و امّا ما هو ممكن ان يكون و ان لا يكون، و انّه ليس احد الطرفين فى وجوده باولى من الثاني، فليس بمعلوم يقينا بل هو مظنون. و قد علمنا انّ علم اللّه تعالى كان باليقين، فكان وجود العالم واجبا لا ممكنا، و ما هو واجب فليس الفاعل له بفاعل بالاختيار، بل بالطبع. فاذن ينتج قول الخصم
[١] ينبؤا: بينوا
[٢] العبث: العيبM .