رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٣٩ - حي بن يقظان
على أمر هذا الإقليم قد رتب سككا خمسا للبريد [١] جعلها أيضا مسالح لمملكته فهناك يختطف من يستهوى من سكان هذا العالم و يستثبت الأخبار المنتهية منه و يسلم من يستهوى إلى قيم على الخمسة مرصد بباب الإقليم و معهم الأنباء فى كتاب مطوى مختوم لا يطلع عليه القيم إنما له و عليه أن يوصل جميعه إلى خازن يعرضه على الملك [٢] و أما الأسرى فيتكلفهم هذا الخازن و أما آلاتها فيستحفظها خازنا [٣] آخر و كلما استأثروا من عالمكم أصنافا من الناس و الحيوان و غيره تناسلوا على صورهم مزاجا منها و إخراجا إياها. و من هذين القرنين من يسافر إلى إقليمكم هذا فيغشى الناس فى الأنفاس حتى تخلص إلى السويداء من القلوب فأما القرن الذي فى صورة السباع من القرنين السيارين فإنه يتربص بالإنسان طروا أذى معتبا عليه فيسفره و يزين له سوء العمل من القتل و المثل و الإيحاش و الإيذاء فيربى الجور فى النفس و يبعث على الظلم و الغشم [٤] و أما القرن الآخر منهما فلا يزال يناجى بال الإنسان بتحسين الفحشاء من الفعل و المنكر من العمل و الفجور إليه و تشويقه إليه و تحريضه عليه قد ركب ظهر اللجاج و اعتمد على الإلحاح حتى يجره إليه جرّا [٥] و أما القرن الطيار فإنما يسول له التكذيب بما لا يرى و يصور لديه حسن العبادة للمطبوع و المصنوع و يساود سر الإنسان أن لا نشأة أخرى و لا عاقبة للسوأى و الحسنى و لا قيوم على الملكوت [٦] و إن من القرنين لطوائف تصاقب حدود إقليم وراء إقليمكم تعمره الملائكة الأرضية تهدى بهدى الملائكة قد نزعت عن غواية المردة و تقيدت سير الطيبين من الروحانيين فأولئك إذا خالطوا الناس لم يعبثوا بهم و لا يضلوهم و يحسن مظاهرتهم على تطهيرهم و هى
[١] هى الحواس الخمس.
[٢] أراد بالملك النفس الإنسانية. و عنى بقوله «و يستثبت الأخبار» معرفة المعانى غير المحسوسة. و أراد بالقيم الحس المشترك.
[٣] الصواب خازن، و يشير بالخازن الآخر إلى القوة الوهمية. و أراد بقوله «و كلما استأثروا من عالمكم» المحاكاة و التركيب و التفصيل على حسب ما كان معروفا فى القديم من علم النفس.
[٤] يشير به إلى القوة الغضبية التي فى خلق السباع.
[٥] أى أن القوة الشهوانية تستولى على النفس، و تبعثها على العمل الشهوانى.
[٦] يشير بهذا إلى القوة المتخيلة.