رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٣٤٠ - الشفاء من خوف الموت و معالجة داء الاغتمام به للشيخ الرئيس
فقد انحلت ذاته و بطلت نفسه بطلان عدم و دثور و ان العالم سيبقى بعده سواء كان هو موجودا أو ليس موجودا كما يظنه من جهل بقاء النفس و كيفية معادها أو لانه يظن أن للموت ألما عظيما غير ألم الأمراض التي ربما تقدمته و أدّت اليه و كانت سبب حلوله أو لانه يعتقد عقوبة تحل به بعد الموت أو لانه متحير لا يدرى على أى شيء يقدم بعد الموت أو لانه يأسف على ما يخلفه من المال و القنيان- و هذه كلها ظنون باطلة لا حقيقة لها. أما من جهل الموت و لم يدر ما هو فأنا أبين له أن الموت ليس شيئا أكثر من ترك النفس استعمال آلاتها و هى الاعضاء التي مجموعها يسمى بدنا كما يترك الصانع آلاته فان النفس جوهر غير جسمانى ليست عرضا و لا قابلة للفساد و هذا البيان يحتاج الى علوم تتقدمه و ذلك مبين مشروح فى موضعه فاذا فارق هذا الجوهر البدن بقى البقاء الذي يخصه وصفا من كدر الطبيعة و سعد السعادة التامة و لا سبيل الى فنائه و عدمه فان الجوهر لا يفنى من حيث هو جوهر و لا تبطل ذاته و انما تبطل الاعراض و الخواص و النسب و الاضافات التي بينه و بين الأجسام باضدادها. فاما الجوهر فلا ضد له و كل شيء يفسد فانما يفسد من ضده و أنت اذا تأملت الجوهر الجسمانى الذي هو أخس من ذلك الجوهر الكريم وجدته غير فان و لا متلاشيا من حيث ما هو جوهر و انما يستحيل بعضه الى بعض فتبطل خواص شيء منه و اعراضه. فاما الجوهر نفسه فهو باق لا سبيل الى عدمه و بطلانه. و أما الجوهر الروحانى الذي لا يقبل استحالة و لا تغيرا