رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٣٤٢ - الشفاء من خوف الموت و معالجة داء الاغتمام به للشيخ الرئيس
جزم الحكماء بأن الموت موتان موت إرادى و موت طبيعى- و كذلك الحياة حياتان حياة إرادية و حياة طبيعية و عنوا بالموت الارادى إماتة الشهوات و ترك التعرض لها و عنوا بالحياة الارادية ما يسعى له الانسان فى الحياة الدنيا من المآكل و المشارب و الشهوات و بالحياة الطبيعية بقاء النفس السرمدية فى الغبطة الأبدية بما تستفيده من العلوم و تبرأ به من الجهل- و لذلك وصى أفلاطن الحكيم روّح اللّه رمسه طالب الحكمة بأن قال (مت بالارادة تحيا بالطبيعة) على أن من خاف الموت الطبيعى من الناس فقد خاف ما ينبغى أن يرجوه و ذلك أن هذا الموت هو تمام حد الانسان لانه (حي ناطق مائت) فالموت تمامه و كماله و به يصير الى افقه الاعلى. و من علم أن كل شيء هو مركب من حده وحده مركب من جنسه و فصوله و ان جنس الانسان هو الحى و فصوله هو الناطق و المائت علم أنه يستحيل الى جنسه و فصوله لان كل مركب لا محالة يستحيل الي الشيء الذي منه تركب فمن اجهل ممن يخلف تمام ذاته و من أسوأ حالا ممن يظن ان فناءه بحياته و نقصانه بتمامه و ذلك ان الناقص اذا خاف أن يتم فقد جهل نفسه غاية الجهل فاذن يجب على العاقل أن يتوحش من النقصان و يأنس بالتمام و يطلب كل ما يتممه و يكمّله و يشرفه و يعلى منزلته و يحلّ رباطه من الوجه الذي يأمن به الوقوع فى المخاوف لا من الوجه الذي يشد وثاقه و يزيده تركيبا و تعقيدا. و يثق بأن الجوهر الشريف الإلهي اذا تخلص من الجوهر الكثيف الجسمانى خلاص نقاء و صفاء لا خلاص