من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٨ - الاطار العام الحاكمية لله
إن النبي يوسف عليه السلام كان صدِّيقاً أيقن قلبه أن جماله من الله، وهو الذي أعطاه القوة ومكَّنه في الأرض، وأن من كفر بأنعم الله لايفلح، وبسبب إيمانه الصادق بهذه الحقائق، فقد أدركه في ساعة المحنة إيمانه، وبلورت المعاناة شخصيته التي عجنت بروح الإيمان والتقوى، فظهر له برهان ربه وحجته البالغة في لحظة الصراع الشديدة مع طبيعته ومجتمعه المتمثل في قوة ربة بيته أو محيط السجن أو إغراء الملك أو تعقيدات الإدارة الاقتصادية.
وهكذا المؤمنون يتذكرون ربهم كلما تعرضوا لتجربة صعبة، فيتركون المعصية ويتحدون المصاعب، بينما يغط غيرهم في غفلة وميوعة.
وتنتهي قصة النبي يوسف عليه السلام، وتبقى عبرتها المتمثلة في طبيعة البشر المعاندة للحق، فأكثرهم- رغم حرص الرسول وأصحاب الحق- ليسوا بمؤمنين، ويحسبون الدين خسارة، بينما هو ذكر، وتوجيه للعاملين إلى الحق الذي غفلوا عنه (الآيات: ١٠٣- ١٠٤).
وكم هي الآيات المنتشرة في السماوات والأرض يمرون عليها دون أن ينتفعوا بها، بل هم معرضون عنها. إن إيمان أكثرهم مخلوط بالشرك، وبالتالي فهو ليس بإيمان. ولا يُدرى هل هم قد أخذوا صك الأمان من عذاب الله الذي يشملهم إذا جاء، ومن الساعةالتي تأتيهم فجأة في الوقت الذي هم لا يشعرون (الآيات: ١٠٥- ١٠٧).
ولكن الرسول يدعوهم إلى سبيل واضحة هي الدعوة إلى الله على بصيرة ورؤية واضحة له ولمن يتبعه، وهي بصيرة توحيد الله وتنزيهه عن أي نوع من أنواع الشرك (الآية: ١٠٨).
وهذه كانت رسالة الله من قبل، التي نزلت على رجال من أهل القرى، فلماذا لا يسيرون في الأرض ليروا ماذا كانت نهاية أولئك السابقين، وليعرفوا أن الدار الآخرة أفضل للمتقين، فلماذا لا يعقلون والحقيقة واضحة (الآية: ١٠٩).
وقد أرسل الله للناس رجالًا، فبلَّغوا رسالات الله، فلم يستجيبوا لهم، حتى إذا بلغوا درجة اليأس، وظنوا أنهم قد كُذبوا فعلًا، جاءالنصر الإلهي، فنجّى ربنا من شاء، بينما لم يستطع أحد ردّ بأسه سبحانه عن المجرمين (الآية: ١١٠).
وإن هذه هي عبرة قصص السابقين التي لم يستوعبها سوى أولي الألباب والعقول، وليس حديثاً يمكن أن يُفترى، إنما هو كلام حق يصدق الأحاديث السابقة، ويفصل كل شيء، ويهدي المؤمنين (الآية: ١١١).