من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٣ - توجيه المستقبل
الآيات القرآنية الأخرى إلى هذه الحقيقة مثل قوله سبحانه (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف: ٤٦].
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [آل عمران: ١٤].
ثم قال شعيب (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أي لا تفتروا: بأن القائد قادر على منع العذاب عنكم من دون أن تفعلوا شيئا صالحا، أو تغيروا ما بأنفسكم، بل عليكم أنتم المسؤولية أولًا وأخيراً، وربما أشارت الآية إلى حالة حضارية اعترت قوم شعيب كتلك التي تعتري الشعوب المتخلفة فيلقون كل المسؤولية على قياداتهم.
[٨٧] ولكن قوم شعيب ظلوا على وضعهم الفاسد وعيروا شعيبا (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) وكأن عبادة الأصنام تحولت عندهم إلى دين مقدس لأنه من عمل الأباء، ولا يجوز أن يعارضها شخص مؤمن كشعيب، وكما عادة الأصنام كذلك سائر الأنظمة كالملكية الفردية المطلقة (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) ونكسب المال بطريقة مشروعة أو غير مشروعة، سواء نظلم الناس أو بالبخس عنهم، وأن نصرف المال في أي وجه نشاء صلاحاً كان أم فساداً.
(إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) ولستَ بشاب طائش يخالف تقاليد الآباء أو يعترف بحقوق أصحاب المال ومزاياهم، ويبدو من حديث قوم شعيب أنهم قد ضلوا ضلالا بعيدا حتى رأوا المعروف منكرا، والمنكر معروفا، وأصبح الفساد دينا مقدسا عندهم وليس فقط سلوكا شاذا، لذلك لم تنفعهم نصيحة شعيب عليه السلام.