من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥١ - رسالة هود وأبعادها
عاد فقد حدث شبه ذلك، حيث أطاعوا الشركاء باسم أنهم مستخلفون من قبل الله، وأطاعوا الأصنام باسم أنها شفعاء عند الله.
[٥١] وإذا كانت الكهنة سدنة معابد الأصنام، وعلماء السوء المحيطون ببلاط المستكبرين يبيعون علمهم على من يشتري، ويستطيلون على الضعفاء، فإن هودا عليه السلام لم يطالبهم بأي أجر، وكفى ذلك شاهدا ودليلا على صدق رسالته، فلماذا إذن كان يعرض نفسه لكل تلك الصعاب، إن لم يكن صادقا، وهو لا يطالب الناس بأجر ولا بهدف الوصول إلى غاية خاصة؟! (يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ).
[٥٢] وطالب هود قومه أن يصلحوا أنفسهم بطلب المغفرة من الله تعالى، وإظهار الندم من الذنوب السابقة، وبعدئذ العودة إلى تعاليم السماء وتطبيقها (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) فإذا فعلوا ذلك فإن الله سوف يفتح لهم أبواب رحمته بإنزال قطر السماء بغزارة، وإعطائهم المزيد من القوة والمنعة (يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) وفي غير هذه الحالة يعتبرون مجرمين خارجين عن القانون ويستحقون العذاب (وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ).
[٥٣] ورفض قوم هود رسالة الله، وادعوا أنهم لم يقتنعوا بأدلته وحججه، ولكن كذبا إذ أن دافعهم الأصلي في رفضهم لها كان تمسكهم الأعمى بالتقاليد وعبادتهم للآلهة التي رفضوا تركها اعتمادا على كلام هود، وربما كان هناك سبب آخر لرفضهم للرسالة. هو استنكافهم عن التسليم لهود. ويوحي إلى ذلك تعابيرهم التي كرر فيها (الخطاب) ونسبت الرسالة إلى شخص هود، بينما لم يكن هود سوى رسول حامل للرسالة. تدبروا في الآية (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) وقد زعموا أن ايمانهم، إنما هو للرسول وفي منفعته، بينما كان الواقع غير ذلك تماما.
[٥٤] ولكي يبرروا جهلهم بواقع الرسالة، ويغطوا على نقاط الضعف في كلامهم نسبوا الرسالة إلى حالة مجهولة غيبية، اعترت الرسول- مما لا يعرف أبعادها- (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) وهكذا اعترفوا ضمنيا بخطأ أقوالهم السابقة، وزعمهم بأن هودا إنما يدعوهم لنفسه. وهنا عرف هود ان العصبية العمياء تحيط بقلوب هؤلاء القوم فيرفضون الحق بلا تفكر لذلك (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) وبدأت مرحلة جديدة من الصراع هي مرحلة المواجهة الساخنة حيث أعلن هود براءته من أفكارهم، وانفصاله عن مجتمعهم الفاسد.