من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٦ - الإيمان مسؤولية
ثابتا عليه.
هكذا كان (عمار بن ياسر) الذي تعرض لتعذيب وحشي من قبل كفار قريش، فأعطاهم بلسانه ما أسرهم، حيث مدح آلهتهم ونال من رسول الله صلى الله عليه واله لإنقاذ نفسه، فنزلت فيه الآية الكريمة تقرر تقاته منهم، وأمره الرسول صلى الله عليه واله أن يعود لمثل ذلك إذا عادوا عليه ..
(مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) وهل يكفر أحد بعد أن آمن؟ أو ليس الإيمان معرفة وعلما؟ وكيف يتحول الفرد بين لحظة وأخرى من عارف إلى جاهل؟!.
بلى .. الإيمان علم، ولكن العلم وحده لا يكفي، بل للإيمان عنصر آخر هو: اليقين، وعقد القلب والثبات، ومواجهة الضعوط، الإيمان موقف وانتماء وسعي وفداء ..
جاء في حديث شريف: عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال
(فَأَمَّا مَا فَرَضَ عَلَى القَلْبِ مِنَ الإِيمَانِ فَالإِقْرَارُ وَ المَعْرِفَةُ وَ العَقْدُ وَ الرِّضَا وَ التَّسْلِيمُ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِلَهاً وَاحِداً لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ صلى الله عليه واله وَالإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله مِنْ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ فَذَلِكَ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَى القَلْبِ مِنَ الإِقْرَارِ وَالمَعْرِفَةِ وَهُوَ عَمَلُهُ وَهُوَ قَوْلُ الله عَزَّ وَجَلّ
(إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) [١].
ومن الناس من يتنازل عن موقفه وانتمائه فور ما يتعرض لضغط، فيكفر بعد الإيمان، ومنهم من يصمد، ومنهم من يخلص نفسه بإستخدام التقاة، فيكتم إيمانه كما فعل عمار الذي قال ربنا عنه وعن أمثاله (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ).
والحديث المأثور في قصة عمار يقول: (لما أراد رسول الله أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه: تفرقوا عني، فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل، ومن لم تكن به قوة فليذهب في أول الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرت بي الأرض فالحقوا بي.
فأصبح بلال المؤذن، وخباب، وعمار، وجارية من قريش كانت أسلمت (وهي سمية أم عمار حسبما جاء في حديث، وأضيف أيضا اسم ياسر والد عمار) فأصبحوا بمكة، فأخذهم المشركون وأبو جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى، فأخذوا يضعون درعا من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه قال: أحد .. أحد .. وأما خباب فأخذوا يجرونه في الشوك.
وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أوتاد ثم مدها،
[١] الكافي: ج ٢ ص ٣٣.