من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٠ - المرحلة الأخيرة
(الْمَعْلُومِ) قال البلخي: (فأبهم ولم يبين لأن في بيانه إغراء بالمعصية) [١].
[٣٩] أخذ يهدد إبليس بني آدم الذي كان سبب إختباره وبالتالي لعنته.
(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي) لم يضل الله إبليس إلا بعد أن اختار بكامل وعيه وبسابق قصده عصيان أمر الرب ويكفي في معنى السبب الذي توحيه كلمة (باء)، هذا القدر من العلاقة، وخلاصة معناه: رب كما أنك اختبرتني ففشلت، فإني سوف أهيء لهم وسائل الإختبار فيفشلون، وهكذا أنتقم منهم. وكان الله يريد أن يختبر عباده وهذا إبليس رشح نفسه لهذه المهمة، كما أن الله يريد أن يعذب القوم الظالمين فيرشح من هو أظلم منهم نفسه للانتقام فيتركه الله- بينه وبينهم- فيصدق الحديث القدسي
(الظَّالِمُ سَيْفِي أَنْتَقِمُ بِهِ وَأَنْتَقِمُ مِنْهُ) [٢].
أما كيف وبأية وسيلة أراد إبليس إغواء البشر؟ فلقد كشفها لنا قائلا (لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) أي سوف أجعل الأرض جميلة في أفئدتهم حتى تستهويهم.
[٤٠] إغواء إبليس كاغواء الله لإبليس. مجرد اختبار وليس إجبار، ويشهد عليه أن عباد الله المخلصين يتمردون عليه (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ).
[٤١] وصراط الله مستقيم وهو إلى الله، وعلى الله المحافظة عليه مستقيما، وألا يدع التشويه والإنحراف يصيبه كما قال سبحانه في الآية العاشرة من هذه السورة (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
(قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) فمهما كان لإبليس من قوة الإغراء ومن جمال التزيين، فإن الله لن يدع له المجال لتحويل الحق إلى الباطل، وبطمس معالم الدين كليا.
[٤٢] وإنه لن يدعه يجبر الإنسان على اتباعه، نعم من تبعه يضله الله، ولا يعينه على الشيطان الغوي (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ) وهم اختاروا سلطة إبليس اختيارا ولم يجبرهم عليها الله، فحرام تبرير البعض خطأهم وانحرافهم بأنهم كانوا مجبورين.
[٤٣] أما الغاوون فإن الله أجل عذابهم الجماعي إلى جهنم (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ)
[٤٤] حيث تختلف أبواب الضلالة ولكنها بالتالي تنتهي إلى ذات المصير الواحد (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ).
[١] مجمع البيان: ج ٦ ص ٤٣٦
[٢] كلمة الله: ص ١٨٠.