من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٠ - توالي النعم
ونشره في كل جهة، من الذي جعل في الأرض الأملاح والخصوبة والبذور لتتحول الأمطار فيها إلى ثمرات مختلفة؟!
(وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) أو تزعم أن السفن تبحر في البحار بأمرك، فلو أن الرياح ركدت أو أن الأمواج تصاعدت، فهل جرت السفن حيث تشتهي (وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ).
[٣٣] والشمس التي هي أكبر من أرضنا بكثير، والقمر الذي هو أصغر من أرضنا كل يجري في فلك ونظام بحيث تنتفع الحياة فوق كوكبنا بضوئهما وبجاذبيتهما وطريقة دورانهما، من الذي سخرهما أفلا نشكره؟!
(وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) فعندما يعم الظلام الأرجاء تخلد إلى النوم براحة نفسية، وعندما ينبعث ضياء النهار، تنبعث حيوية وهمة.
[٣٤] وبالرغم من أن طموحات البشر لا تتحقق عادة جميعها، ولكن هناك تناسب بين هذه الطموحات وبين عطاء الله سبحانه، فبقدر أملك في الله، وسؤالك منه ينشر عليك نعمه.
(وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) ففي ضيق الشدائد، وعند المدلهمات تجد فرج الله وروحه (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) [النمل: ٦٢]، وعندما تتعب سفينة أمالك ترسو على شاطئ رحمة الله الذي يقول لك (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي) (البقرة: ١٨٦). وهناك تجد تحقيق امالك وتخاطب ربك قائلا
(إِلَهِي طُمُوحُ الآمَالِ قَدْ خَابَتْ إِلَّا لَدَيْكَ ومَعَاكِفُ الهِمَمِ قَدْ تَقَطَّعَتْ (تعطلت) إِلَّا عَلَيْكَ ومَذَاهِبُ العُقُولِ قَدْ سَمَتْ إِلَّا إِلَيْكَ فَإِلَيْكَ الرَّجَاءُ وإِلَيْكَ المُلْتَجَأُ) [١].
وأي نعمة تحصيها عددا، أجل لو كانت الأشجار اقلاما، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) إن كل خلية في بلايين الخلايا التي تشكل جسمي نعمة كبرى يعجز القلم عن الإحاطة بها، فأي نعمة تحصيها وكيف، ولكن أنت ترى الإنسان كيف يظلم نفسه بالكفر بنعم الله (إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) فأكثر الناس يظلمون أنفسهم والآخرين بالنعم فيتخذون من نعمة اللسان وسيلة التشهير والبهتان، ومن نعمة اليد أداة البطش والاعتداء، ومن نعمة المال البخل والترف والاستعلاء، ومن نعمة القوة القهر والظلم، وهكذا يكفرون بنعم الله، ولا يحققون بها أهدافها النبيلة ولو فعلوا لكان ذلك شكرا عمليا منهم.
[١] مصباح الكفعمي: ص ٥٣، من أدعية ليلة الجمعة.