من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٣ - حوار الضعفاء مع الذين استكبروا
(وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) أي للأقوياء ممن استكبروا، واعتبروا أنفسهم أكبر من الناس (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فهل هم ضامنون لعملهم؟ وهنا ليس فقط يعترف المستكبرون بضلالتهم، بل وبأن استكبارهم كان غلطة العمر بالنسبة إليهم (قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) فلا مجال للزحزحة عن عذاب الله.
[٢٢] أما الشيطان الذي هو النداء الداخلي الذي يوسوس للقلب، فيتبعه الإنسان، وهو الذي دلى أبانا آدم بغرور فأخرجه من الجنة، وهو بالتالي إبليس الذي تمرد على الله واستكبر، وعزم على خداع البشر، إنه هو الآخر أخلف وعده، وكان من قبل يزعم أنه قوي، وأنه سوف يغيث الذين يتبعونه، فها هو يشمت بمن يتبعه (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ) الذي له من العقل والعلم على صدقه شواهد وحجج.
(وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) ووعود الشيطان أماني وأحلام تتناسب وشهوات الفرد، وهي تشبه التبريرات الثقافية التي ترتاح إليها النفوس الكسولة والأمم المتخلفة مثل انتظار المستقبل بلا سعي يصنعه، وإلقاء المسؤولية على عاتق الزمن، أو لا أقل على كاهل الآخرين أموات أو أحياء.
(وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) إن جذر التبريرات التي يلقيها الشيطان الرجيم في فؤاد الإنسان هو إشعاره بأنه مكره على أفعاله، وأن قضاءً حتميا يفرض عليه هذا العمل أو ذاك وذلك بتهويل الأشياء والأحداث والأشخاص عنده، وتصغير نفسه أمامها وتحجيم دور الإرادة عنده، مثلا يقول له، إن تغيير سيرة الآباء مستحيل، أو إن تغيير الأوضاع السياسية أو الاقتصادية أمر لا نقدر عليه، أو إن مخالفة هذا الحاكم وذلك المستكبر غير ممكنة، أو يقول له: كيف تقوم الحطبة وقد عملت فيها السنون ما عملت، وكيف تغير الزمان وقد أفسده السلطان، وما أنت وماذا عسى أن تفعل.
وفي يوم القيامة يعترف الشيطان، بأنه كان خادعا في قوله هذا، وأن إرادة الإنسان هي التي تصنع واقعه، وأنه لا حول ولا قوة له، فلا يغيث ولا يغاث (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) فلا أنا أغيثكم ولا أنتم (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ) وحقيقة الإشراك هو أن تعتقد أن أحدا أو شيئا غير الله إله لا يغلب. كلا .. بل كل شيء خاضع لله، ولمن يتوكل.