من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٢ - وتحققت الرؤيا
كوكبا هم أخوته الذين سجدوا أمامه جميعا.
وهكذا جعل ربنا تلك الرؤيا حقيقة. بينما كان من الممكن لو لم يوفر يوسف شروط تحقيقها في نفسه وبسعيه وحسن إختياره أن تبقى حلما وأماني.
(قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ) ركز حديثه على مرحلة السجن لأهميتها ولبعد المسافة بين السجين المتهم بجريمة شرف وبين الملك العزيز الذي بيده كل شيء.
(وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ) أي من حياة الصحراء إلى العيش بمصر، حيث المدينة؛ (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) أي أفسد العلاقة بيني وبين إخوتي. ثم أكد أن أمر الله ينفذ برفق بين ثنايا الحياة كما الماء في مسارب الرمال، بحيث لا يعرف أحد كيف تم التحول.
(إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) حيث أن تدبيره يوغل برفق ومن دون صخب أو صعوبة بين صخور الحياة دون أن يقدر أحد على الوقوف أمامه. (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فبعلمه سبحانه أحاط بسبل الحياة. وبحكمته أجرى تدبيره عبرها حتى النهاية.
[١٠١] في عزة قدرته وملكه لم يغفل يوسف عليه السلام ربه. ولم ينس أنه هو الذي آتاه الملك، وأن ما عنده جزء من الملك الأكبر الذي يملكه الله سبحانه فخوله إياه. كما أن علمه جزء مما عند الله .. وبالتالي فإنه بحاجة إلى ربه ليأتيه المزيد من الملك. ويعلمه المزيد من تأويل الأحاديث (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ).
إن نشوة الانتصار لم تدع يوسف إلى الانتقام لأيام الذلة والعذاب. حيث ألقي في الجب، وحيث وجد نفسه عبدا يتبادله الناس بثمن بخس دراهم معدودة، وحيث تسجنه امرأة العزيز زورا، ويعاني في السجن الأمرين، ذلك لأن قلبه كان عامرا أبدا بنور الله فلم يصب بعقدة النقص والانهيار والسلبية. كما لم يصب بالغرور والفخر لأنه كان يعلم أن الشر والخير فتنة، وأن البلاء رحم العظمة وقد تكون النعمة سبيل الهاوية.
كما كان يؤمن بأن الحياة الدنيا بما فيها من خير وشر، قنطرة إلى الآخرة التي هي الحيوان، لذلك لم ينس تفاهة الدنيا بخيرها وشرها، بسجنها وملك مصرها، لذلك قال- وهو يدعو ربه- (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) إن الهدف الأسمى للإنسان ينبغي أن يكون الاستمرار على خط الإسلام حتى