من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٧ - إرهاصات العذاب
(وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي) أي لا تدعوكم مخالفتي إلى التورط في المشكلة (أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ)
[٩٠] ثم أمرهم شعيب بإصلاح أنفسهم والاستغفار من ذنوبهم لكي لا تكون الذنوب السابقة سببا لمعاداة الرسالة، ومخالفة اوامر الله (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) إذ قد يسبب تعود البشر على الأفعال القبيحة، وظنه بأن الله قد تركه، وبالتالي يأسه من روح الله، قد يسبب استرساله في ا لكفر تبريرا لأعماله الفاسدة، من هنا دعا شعيب قومه إلى مخالفة العادة، ورجاء رحمة الله.
[٩١] وجاء دور قوم شعيب يردون حجج شعيب فانظر ماذا قالوا؟ وكيف أنهم قد انطلقوا في رفض الرسالة. من قاعدة الجهل والعناد، والتمسك بالماديات، والغرور بما لديهم من قوة! (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) أي لولا عشيرتك لقتلناك شر قتلة (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ).
[٩٢] وسَفّه شعيب أولئك الأغبياء الذين يعاندون ربهم ويخشون رهط شعيب (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) فأنى تعملون فلا تخرجون من إطار قدرة الله، وحدود مملكته سبحانه.
[٩٣] وجاءت مرحلة التحدي الفاصلة حيث نابذهم شعيب العداء، وأمرهم بأن يعملوا على حالهم. بينما يعمل هو بما أمره الله والكل ينتظر ما يحمله المستقبل من مفاجآت (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) وهكذا جاء دور انتظار الفرج من قبل شعيب، بعد الجهاد وتوفير عوامل النصر الظاهرة، وانتظار الفرج يعتبر من أفضل الأعمال. ففي الحديث النبوي
(أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي انْتِظَارُ الْفَرَج) [١].
[٩٤] وكل آت قريب، فجاءت العاقبة تكشف الحقيقة المظلومة لتنتقم من المعاندين (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ).
[٩٥] وكأن أحدا لم يكن في هذه الديار (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ).
[١] كمال الدين: ج ٢ ص ٦٤٤.