من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٨ - أليس الصبح بقريب
لم يكن لكم دين فلا أقل من التمسك بالعرف الذي ينكر طبيعيا اغتصاب الضيوف (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ).
[٧٩] وكان جواب قومه بالغا في الميوعة والرعونة (قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ) أي فيما يتصل بقضية البنات، لابد أن نتزوجهن والزواج حق نعمل به ونمشي على هداه، أما الآن فنحن نريد تلك اللذة التي لا توجب علينا تكاليف ومسؤوليات (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ).
ربما كان قوم لوط قد استصعبوا قوانين الزواج على أنفسهم واستكثروا من أعبائها المالية، مما دفعهم إلى إشباع الغريزة بالشذوذ، وربما كان لوط يدعوهم إلى التخفيف من قيود الزواج مما قد يدل عليه قوله عليه السلام (هَؤُلاءِ بَنَاتِي) وقولهم (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ).
[٨٠] وقطع لوط أمله منهم، واستبد به اليأس من كل شيء، وقال بكلمات تتفجر أسى (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) تمنى لو كانت لديه قوة قادرة على مواجهتهم، أو كانت لديه عشيرة تمنعه منهم.
أليس الصبح بقريب
[٨١] هكذا اشتدت الأزمة وضاقت عليه المشكلة، وعندها ترجى رحمة الله، وهكذا أظهر الضيوف الذين حاول الجاهليون الاعتداء الخلقي عليهم، أظهروا واقعهم وبينوا أنهم ملائكة الله (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ).
وجاءت الأوامر متلاحقة صارمة
ألف (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ) بعد أن يسدل الليل ستاره ويذهب ردح منه وتهجع العيون، وتأوي النفوس إلى مضاجعها.
باء (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ) لا ينظر إلى ما وراءه ليعرف كيف سيكون حال قومه، بل يبقى منفصلا عنهم نفسيا لكي لا يشاركهم العذاب، ولذلك أصاب امرأة لوط ما أصابهم من العذاب بسبب انتمائها النفسي والقلبي إليهم.
ثم جاء الأمر الالهي الصارم على لسان الملائكة (إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ).