من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٩١ - البعث من جديد
وجذريا، إلى درجة كانوا يتهمون بالجنون لولا أن كل تصرفاتهم وأقوالهم كانت تفيض بالحكمة والمعرفة، فلو لم يكونوا متصلين بالغيب، وواثقين من نصر الله لهم، ومخلصين لقضيتهم فهل كان تحديهم غير الجنون، إذا ذات التحدي كان أعظم شهادة على صدق رسالاتهم، ولعل القرآن ينقل لنا تهم الطغاة للأنبياء بالجنون لنعرف هذه الحقيقة.
ولم يكن موسى مسحورا بل كان رسولا، وعلامة رسالته تحديه لسلطة فرعون، وإرهابه وتضليله لذلك قال
[١٠٢] (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً) إنك هالك يا فرعون فأنت تعلم أن الحق معي، إلا أن فرعون ما كان يعلم عن نبوة موسى علم إيمان، وإنما كان يعلم علم حجة، بمعنى أن الحجة ثبتت عنده، ولكن لم يؤمن، وتلك الآيات العظام لا تجري على يد إنسان غير نبي لذلك قال ربنا (لَقَدْ عَلِمْتَ) يا فرعون أن الآيات التسع وهي: خروج اليد بيضاء من غير سوء والعصا- والسنون- ونقص الثمرات- والطوفان- والجراد- والقمل والضفادع- والدم إنما هي من عند الله ولم تجر على يد إنسان عادي.
وقرئ: (لقد عَلِمْتُ) بالضم يعني موسى هو الذي علم كما يؤيد ذلك حديث يروى عن الإمام علي عليه السلام يقول: فيما معناه
(كَلَّا لَمْ يَعْلَمْ فِرْعَونُ أَنَّ اللهَ بَعَثَ مُوْسَى بِتِلْكَ الرِّسَالَةِ، إِنَّمَا مُوْسَى هُوَ الَّذِي عَلِمَ فَهُوَ وَاثِقٌ مِنْ أَمْرِهِ) [١].
والقرآن جعل الكتب السماوية بصائر تساعد الناس على رؤية الحقائق، ولما كذب فرعون بتلك الحقائق كلها بصره موسى عليه السلام بخاتمته (وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً)!.
[١٠٣] حينئذ ثارت ثائرة فرعون (فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنْ الأَرْضِ) حيث أراد أن يزعج موسى عليه السلام بطرده مع بني إسرائيل، ونفيهم من البلاد إلا أن الله سبحانه وتعالى وقف له بالمرصاد (فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً).
[١٠٤] وهذا أحد معاني شهادة الله على صدق رسالات الأنبياء، فقد أخذ الله سبحانه وتعالى فرعون وملأه، ونبذهم في اليم فابتلعهم الماء كما يبتلع النهر الحصاة (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي
[١] ذكر الطوسي في التبيان بعد ذكر وجوه قراءة (عَلِمْتَ)، أن علمت بضم التاء قراءة الكسائي رويت هذه القراءة عن أمير المؤمنين عليه السلام التبيان ج ٦، ص ٥٢٦. ونسب صاحب تفسير الصافي القول المذكور» كَلَّا لَمْ يَعْلَمْ فِرْعَونُ ... إلخ «إلى صاحب مجمع البيان) تفسير الصافي ج ٣، ص ٢٢٥ الفيض الكاشاني (.