من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧٨ - السعادة وأبعادها
الإنسان والتي لا تقضي استقبال النعم، والانتفاع بها أما الآية الثانية فتوضح اثر العادة في سلوك البشر وحيث أن ما تعود عليه الظالمون وهم سائر الناس غير المؤمنين من الذين انزل عليهم القرآن فلم يستجيبوا له أقول: إن سائر الناس قد جبلوا على الأعراض عند النعم، كما إنهم يعملون على الشاكلة التي ساروا عليها سابقا، فلا يتركونها بسهولة إلى القرآن، بلى المؤمنون وحدهم يتجاوزون هذه الحالة، ويرتفعون إلى مستوى الإيمان.
(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ) قالوا: بأن معنى الآية إنه يعرض عن ذكر ربه عند النعمة، ويبطر بها ويتولى، فالآية حسب قولهم نظير قوله تعالى (إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً).
ولعل الأقرب إلى السياق أن نقول: إن هذه الآية تبين صفة أخرى للإنسان وهي الاستهانة بالنعم، وعدم الاستفادة منها، وعدم تقديرها حق قدرها، والأعراض هنا عن النعم ذاتها وليس عن الله، بلى إن الإعراض عن الله وعن نعمه ينبع من صفة واحدة، ذلك لأن من يعرض عن ربه ولا يشكر نعمه، ويزعم إنما أوتي النعم بعلمه وجهوده، بل يرى أن النعم جزء من ذاته، وأن له طبيعة مميزة عن غيره بدليل إنه خص دون غيره بالنعم فعنصره أفضل من سائر الناس.
أقول: إن مثل هذا الفرد يستهين أيضا بالنعم ويعرض عنها، وبالتالي فإن هاتين الصفتين تنتهيان إلى طبيعة واحدة.
ولأن الإنسان يعرض عن النعمة، ويتعالى عليها، ويتولى بركنه، وينأى بجانبه، فإنه لا ينتفع بالقرآن الحكيم، ولا يكون القرآن بالنسبة إليه شفاء، وهذا أكبر ظلم ذاتي أن يترك المرء الاستفادة من أكبر النعم استهانة بها.
بلى يبذل المؤمن جهدا كبيرا حتى يستفيد من نعمة الوحي، لأنه يتواضع له، ويسمع ويطيع ويقنت لله بخضوعه لكتابه، فيكون الكتاب شفاء له، وهكذا سائر النعم في الحياة.
أوليس العلم نعمة، ولكن من الذي ينتفع به، هل الذي يستهين به أو يتعالى عليه أم الذي يقدره ويكرم مقامه. وحتى الثمرة الناضجة لا ينتفع بها إلا من يقطفها وينظفها ثم يطعمها، أما من يتولى عنها فهل يستفيد منها؟!.
(وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً) لأن الإنسان يرى النعم من ذاته فإنه يرى استمرارها، فيتكل عليها، فإذا زالت تصيبه الصدمة وينهار لأنه قد سقط متكأه ومعتمده، وهكذا يستبد به اليأس.