من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٧ - النحل آية بينة
هو العلم والعمل.
(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) فمن خلال النظر فيها والتدبر في أمورها، ننفذ إلى الهدف منها، ولكن كيف؟.
(نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ) كيف يميز الله اللبن عن الفرث، وهي الزيادة التي تهبط إلى الكرش قبل أن تخرج فتصبح سرجينا، وعن الدم الذي يجري في العروق ليصبح (لَبَناً خَالِصاً) من الشوائب والجراثيم، (سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ) ففيه الفائدة لخلوصه، واللذة لأنه هنيء يحبه الطبع البشري.
[٦٧] وآية أخرى هي الثمار النافعة كالرطب والعنب، وما ينتهيان إليه من السكر والتمر والزبيب (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ولا ريب أن ثمرات النخيل والكروم من أفضل الرزق مذاقا، وفائدة طيبة، أما السكر فقد اختلفت كلمات العلماء فيها، وأمثل القول ما جاء مأثوراً عن ابن عباس أنه قال: (السكر ما حرم من ثمرها، والرزق الحسن ما حل من ثمرها) [١]. أي ثمة مقابلة بين (سَكَراً) و (وَرِزْقاً حَسَناً) كإشارة لطيفة بإخراج (سَكَراً) من (وَرِزْقاً حَسَناً)، تمهيداً لإعلان: (وإلا وهو محرم وإن لم يُعلن ذلك)، وعلى كل فالآية لاتدل على حلية المسكر.
نعم سياق الآيات في إطار الامتنان، مما يوحي عدم سلخ صفة الحُسنُ عن السكر، مما قد يتمسك به بعض بحلية المسكر ولو الدرجة الخفيفة منه (النبيذ)، وقال بعض أن (تَتَّخِذُونَ) فعل الناس أعم من المسلمين والكفار، فلا يدل على الحلية، إذ هو إخبار عن فعل الناس، وقد يوسع في معنى السكر حتى يشمل الأنتعاش، ولا ريب أن العنب والتمر يسببان انتعاشا، والانتعاش بها لا يبلغ مستوى فقدان العقل (السكر المتعارف) حتى إذا زاد منه الشارب.
النحل آية بينة
[٦٨] وهناك رزق إلهي يختلف عما ينبت من الزرع أو يجري من الضرع هو: العسل الذي هيأ الله النحل له، حيث ألهمه أن يبني بيوته السداسية الشكل، البارعة والبالغة الدقة، وذلك في كنف الجبال، أو في سوق الأشجار، أو في الأبنية (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) وقال بعضهم أن العرش هو: الكروم التي تقام فوق ساباط مرتفع.
[١] مجمع البيان: ج ٦ ص ٤٨١.