من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٤ - جزاء المتقين
[٣١] أما دار المتقين فهي متمثلة في جنات خالدة (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ).
وهذا الإطلاق يدل على أن أهل الجنة تتحقق أمانيهم هناك، فهم راضون عن وضعهم بالكامل، وهذا الرضا لا يتحقق أبدا في الدنيا، حتى قال قائلهم: ما كل ما يتمنى المرء يدركه! وهذا فارق كبير بين أهل الجنة وأهل النار.
(كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ) أما غيرهم من المؤمنين فأنهم يظلون في نار جهنم حتى تذهب آثار الذنوب التي ارتكبوها، وبعدئذ يدخلون الجنة.
[٣٢] والمتقي يبقى في خطر عظيم حتى يأتيه اليقين وهو الموت، إذ يخشى أن تزل قدمه قبل أن يصل إلى نهايته فإذا استمر على الهدى حتى الموت فهو الطيب (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وبالرغم من أن هناك مسافة زمنية واسعة بين الموت ودخول جنات الخلد، إلا أن الملائكة تبشر المتقين عند موتهم بأنهم داخلوها حتما، مضافا إلى أنهم يعيشون خلال الفترة في جنان ورياض مماثلة بجنات الخلد، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
[٣٣] أما غير المتقين، فإن أكبر خطأ لهم أنهم ينتظرون إحاطة الخطر بهم حتى يعترفوا به، وآنئذ لا ينفعهم إيمانهم، ذلك أن الدنيا دار اختبار وإنما يختبر مدى إيمان الفرد وتقواه، وقوة إرادته وعقله إذا انذر بالخطر وأبلغ بالحقائق قبل أن يراها، أما بعدئذ فكل الناس سواء، وكل شخص يهرب من الخطر الذي يبصره، ولكن العقلاء وحدهم يتجنبون الخطر في الوقت المناسب، وعندما تأتيهم نذره. وتظهر لهم إرهاصاته (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ) أي هل ينتظرون الملائكة حتى يؤمنوا، وإذا نزلت الملائكة انعدم الابتلاء. (أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) من العذاب، فآنئذ يؤمنون، وماذا ينفعهم إيمانهم إذ رأوا العذاب؟.
(كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) فدمرهم الله شر تدمير، (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) إن مثل هؤلاء كمثل رجل يبصر بعينه بئرا فلا يعترف بها حتى يقع فيها وتتهشم عظامه، فيقول الآن آمنت أنها كانت بئرا! فلماذا إذا زودت بعين، أو ليس لكي ترى أمامك الطريق؟! وتتجنب البئر قبل الوقوع فيه.
لماذا زود الإنسان بالعقل؟ أوليس لكي يبصر الغيب، أما الشهود فيحس به حتى الحيوان! ولماذا زود بالإرادة؟ أو ليس لكي يتحدى الشهوات، أما الاسترسال معها فانه ليس بشيء! هكذا الخطر متى يقدر الإنسان على معالجته؟! عندما ينتبه له بسبب علاماته المبكرة، أما