من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٥ - لقد كان في قصصهم عبرة
دال: وبعد أن عالجوا المشكلة العقلية عندهم بتذكرتهم بفاطر السماوات والأرض وبأنه لا شك فيه لأنه وجداني. بعدئذ أخذوا يعالجون السبب الحقيقي لكفرهم وهو مشكلتهم النفسية، وأثاروا فيهم حبهم لأنفسهم فقالوا: ربكم يدعوكم برسالاته لمصلحتكم (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ).
ولنا أن نتساءل: لماذا لا يغفر ربنا كل الذنوب؟.
أولًا: إن بعض الذنوب يأتي بها العبد تكبرا وعنادا، ففي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام
(... إِذَا هَمَمْتَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا تَفْعَلْهَا فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رُبَّمَا اطَّلَعَ عَلَى العَبْدِ وَ هُوَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِيهِ فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا أَغْفِرُ لَكَ أَبَدا) [١].
ثانياً: إن بقاء بعض الذنوب سيف مسلط على غرور البشر، وأمنه من كيد الله، وعجبه بذاته لكي يبقيه أبدا بين الخوف والرجاء (وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) ذلك لأن دعوة الأنبياء ليست من أجل إخلاد البشر في نعم الدنيا التي لا تبقى، وهم لا يبقون لها، بل من أجل توفير الفرصة له ليستمر إلى آخر أجله المحدد له سلفا، وإلا تنزل عليه الكوارث فتبيده قبل حلول أجله.
(قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) وكيف نقبل بولايتكم علينا أم كيف يخصكم الله بالرسالة من دوننا، وكان من ضعف ثقتهم بأنفسهم كبشر أنهم لم يصدقوا أنفسهم أن يبعث الله إليهم بشرا رسولا.
هاء: ثم قالوا إن تعاليمكم مخالفة لتقاليدنا التي ورثناها من آبائنا وتعودنا عليها (تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا).
واو: فطالبوهم بحجة أقوى من مجرد التذكرة، بحجة مادية مثل إحياء الموتى وتفجير ينابيع الأرض ذهبا، والعروج إلى السماء، ليضطروا إلى الإيمان، ولم يكتفوا بهدى عقولهم، ولم يقاوموا ضغط التقاليد بإرادة التحرر منها لذلك قالوا (فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)
[١١] زاء: و اعترف الرسل بأنهم بشر، لا يتميزون عن غيرهم سوى بالوحي الذي هو مضاف إلى شخصياتهم، وليس جزء منها (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) وهذا التأكيد القرآني جزء من دعوة الرسل، ودليل صدق على أنهم لم يجعلوا الافتراء على الله وسيلة للمكاسب المادية، ولا يريدون ذلك ولا يسمح لهم ربهم بذلك أبدا.
[١] بحار الأنوار: ج ٦٨ ص ٢١٧.