من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٣ - تغيير المقاييس الفطرية
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) أبعد أن أراهم الله الآيات في القيمومة على انفسهم يشركون بالله سبحانه؟! وكيف يشركون به وقد أراهم من عظيم الخلقة، ودقيق الصنعة.
(قُلْ سَمُّوهُمْ) أي اذكروهم، ولعل ذكر الاسم هنا ليس ذكر الاسم الذي يتسمون به، بل يعني اذكروا صفاتهم، ومعلوم إن كل شيء يعكس إسما من أسماء الله. فالسماء تجل لاسم العلو والعظمة، والشمس تجل لاسم الحكمة والقدرة، فقد يكون قصد الله: اخبروني عن تجليات أسمائهم في مصنوعاتهم.
(أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ) أي بما لا يعلم له من شركاء، وعدم العلم هنا ليس معناه ان الله غير عالم، بل عالم ولكن لا يعلم أن له شريكا، فليس له شريكا أبدا.
(أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ) الشركاء هي مجرد الفاظ تسمى من غير واقع، فكلمة جلالة الملك ليس معنى ذلك إن الملك صار جليلا، بل رضاه بهذا الاسم يعكس ذلته.
تغيير المقاييس الفطرية
(بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ) المكر هنا اقتراف العمل السيء والمكر هو الفساد، قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا) [الانعام: ١٢٣].
ولكن من الذي زين المكر لهم؟.
إن الشيطان هو الذي يزين لهم مكرهم كما قال (وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الانعام: ٤٣]. وفي آية أخرى ينسب الله لنفسه التزيين (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) [النمل: ٤]. ولا منافاة فعندما يغضب الله على إنسان يكله إلى الشيطان أو إلى قرناء السوء فيكون تزيين الله لهم بأن يجعل لهم مزينين كما قال (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) [فصلت: ٢٥].
إذن فليحذر الإنسان أن يزين له سوء عمله فيراه حسنا، وعندما يخضع للمزينين كالطواغيت مثلا فإن مقاييسه الفطرية تتبدل وتصبح مقاييس عكسية فالسوء عنده حسن، والحسن عنده سيء.
(وَصُدُّوا عَنْ السَّبِيلِ) ليسوا هم الذين صدوا أنفسهم عن السبيل، كما أنهم ليسوا هم الذين زينوا لأنفسهم المكر إنما الشيطان (وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).