من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٠ - وهم يكفرون بالرحمن
حقيقة الرسالة، وأن الرسول مهما تحمل من الجهد فهو مجرد تال لما نزل عليه، أي أن الرسول ليس صانعا للوحي، وإنما يؤدي دور المرآة إذ يعكس الرسالة إلى أمته.
(وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) جذر كفرهم إنما هو بالرحمن وليس بك، وقد جاء في الدر المنثور عن ابن جريح في قوله: ( (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) قال: لما كاتب الرسول صلى الله عليه واله قريشا في الحديبية كتب: (بسم الله الرحمن الرحيم ..، قالوا: لا نكتب الرحمن، وما ندري ما الرحمن؟! وما نكتب الا باسمك اللهم!، فأنزل الله (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) [١].
(قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) هذا هو الرحمن الذي يكفرون به، لا إله غيره، رب الأرباب، لا ند له ولا نظير (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في دعوتي إليكم مع تكذيبكم بي. (وَإِلَيْهِ مَتَابِ) إليه بخوعي وإنابتي.
حقيقة القرآن
[٣١] (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) لما واجههم الرسول بعد طلبهم الآيات بالقرآن، وأكد على أنه المعجزة الكبرى تعللوا بأن هذا القرآن المعجزة لو سيرت به الجبال من حولنا (حول مكة) حتى نستطيع أن نزرع، أو قطعت به الأرض كما كان سليمان يرسل الرياح فيقطع بها الارض، أو كلم به الموتى، كما كان موسى وعيسى لكانوا يؤمنون به، ولكن لو أنزل الله مثل هذه الآيات، اكانوا يؤمنون بها؟! ولكن قصدهم التعجيز وتحدي الرسالة، فلن يرسل الله مثل هذه الآيات، وهذا القرآن له القدرة على هذه الأشياء لو عرف الإنسان كيف يستغله، وقد قال الله سبحانه (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (الحشر: ٢١).
(بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً) إن الله يستطيع أن ينزل هذا القرآن، وقد أنزله فعلا.
جواب (وَلَوْ) في الآية (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ) محذوف وتقديره أحد هذين المعنيين
أولًا: لما أفادهم.
ثانياً: لكان هذا القرآن.
وحسب نظري إن كلا الجوابين صحيحان، فلو كان القرآن كذلك لم ينفعهم كون القرآن تسير به الجبال وتقطع به الأرض ويكلم به الموتى، وثانيا: إن القرآن كذلك، وقد استطاع (كما أسلفنا) المؤمنون حقا الذين استوعبوا حقائق القرآن أن يستفيدوا منه هذه الفوائد.
[١] الدر المنثور: ج ٤ ص ٦٢.