من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٧ - منطق السماء
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) عليهم- لكي يفهموا الحقيقة- ألّا يكتفوا بالجلوس في بيوتهم والاكتفاء بأفكار السابقين أو ثقافة الوسط الإجتماعي بل عليهم أن يتحركوا، وأن يسيروا في الأرض وليكن سيرهم وبحثهم بهدف الوصول إلى الحقيقة لينظروا نهاية المجتمعات الهالكة (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) فقد كانت عاقبتهم الدمار بسبب تكذيبهم بالرسالات أما الآخرة فإنها- بالطبع- ليست من نصيب الكافرين (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ).
[١١٠] وهلاك الكفار والمكذبين لم يكن من دون سابقة إنذار، بل لقد استنفذ الرسل كلما كان بوسعهم في سبيل دعوتهم، وصبروا على أذاهم، وبلغ بهم الأذى درجة اليأس (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) جاء في التفاسير: أي تيقن الرسل أن قومهم كذبوهم تكذيبا عاما حتى أنه لا يصلح واحد منهم .. وقال بعضهم: معناه ظن الأمم إن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم من نصر الله إياهم وإهلاك اعدائهم .. وروي عن ابن عباس قال: (كانوا بشرا فضعفوا ويئسوا وظنوا أنهم قد أخلفوا ثم تلا قوله تعالى (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) .. قال الطبرسي: وهذا بعيد وقد بينا ما فيه) [١].
(فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).
[١١١] إن المقتطفات من تاريخ الرسل وقومهم يمكن أن تأخذنا إلى ما وراءها من أنظمة اجتماعية وتكشف عن طبيعة التحولات التاريخية، ولكن بشرط واحد وهو أن يكون الإنسان عاقلًا، ويهتم بجوهر القضايا (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ) وبالتالي ليس العبرة التاريخية مما يمكن ان يفترى، لأنها إشارة إلى حقائق خارجية يمكن لكل إنسان أن يعرفها لو استخدم عقله أو حتى شعوره. مثلا لو أشار أحد إلى الشمس أو إلى الجبال والبحار، وقال أفلا ترونها كيف أنها جميلة ومنظمة. فهل يمكن أن يقال له بأنك كذاب؟!. الشمس يراها الفرد بذاته، ويشعر بجمالها، ويعقل نظامها بمجرد التفكير فيها، وليس بما يقوله الآخرون، وهكذا آيات القرآن إشارات واضحة إلى ما في الكون ذاته من حقائق.
(مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) إنما القرآن يفصل الحقائق التي يراها الفرد بإبهام (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يعرفهم بحقيقة الأشياء ويوفر لهم النعم بهذه المعرفة.
وهكذا تنتهي سورة يوسف المليئة بالعبر التاريخية والتي كشفت خبيئة النفس البشرية بما تمتلك من عقل وإرادة وعلم تجلت عند يوسف، أو من حسد وكبر وحيلة تجلت عند اخوته.
[١] مجمع البيان: ج ٢ ص ٢٧١.