من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٤ - نفحات الأمل
بينات من الآيات
نفحات الأمل
[٨٣] لماذا اتهم يعقوب أبناءه بالكذب بعدما أخبروه بواقع ما جرى عليهم من احتجاز السلطات لأخيهم بتهمة سرقة صواع الملك، وقال لهم بعدما اخبروه (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً) أي أن أهواءكم زينت لكم فكرة آمنتم بها انطلاقا من الهوى لا العقل لماذا؟.
أولًا: إن إخوة يوسف عليه السلام كذبوا أول مرة وكانت تهمة الكذب أقرب إليهم لسوء سابقتهم في الخيانة.
ثانياً: إن اتهام السرقة إلى أخيهم بمجرد وجود السقاية في وعائه، كان نابعا من استصغارهم له، وعدائهم الدفين له ولأخيهم يوسف.
ثالثاً: إن تذليل أخيهم والتعصب لأنفسهم في مواجهته كان هو السبب لسرقته لو أنه ارتكبها.
ولكن يعقوب عليه السلام تسلح بالصبر الجميل لمعالجة سوء أخلاق أبنائه، وعنصريتهم المقيتة حتى ضد أخيهم الأصغر سنا منهم.
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أي عندي صبر جميل استعيض به عن مكركم، وما تسوله لكم أنفسكم، فلا أجزع لشدة البلاء، فافقد رشدي وقوة احتمالي، ولا أتردد في أن البلاء سيزول بإذن الله، ولا انطوي على نفسي بسبب المصيبة واترك العمل انتظارا لزوال المصيبة بذاتها أو بطريقة غيبية، وبالتالي أضيف عامل الزمن (الصبر) إلى سائر عوامل النجاح حسن التدبير- السعي- التوكل حتى ينصرني ربي، ويدل على معنى الجمال في الصبر السياق القادم. يقول ربنا على لسان يعقوب (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).
[٨٤] وترك ابناءه موقتا، ولكنه اثار فيهم عواطف الأبناء لوالدهم العجوز وقد انهكته المصائب فابيضت عيناه حزنا .. (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ) يبدو أن استمرار الكآبة أفقد يعقوب قدرته على الرؤية. فتحول سواد عينه إلى بياض شأنه شأن كبار السن، ولا يجب أن يكون ذلك بسبب البكاء وحده. إذ أن الحزن المكبوت الذي يكظمه صاحبه قد يكون أشد أثرا على البشر من البكاء لذلك قال ربنا (فَهُوَ كَظِيمٌ) أي يحفظ نفسه من آثار الحزن التي تظهر عليه رغم صبره الجميل.