من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٢ - مفاتيح الرؤيا
(أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) يبدو أن صاحب يوسف عرف أنه يحب خدمة الناس بينما يكره الطغاة، لذلك لم يقل: لعلي أرجع إلى الملك بل قال (إِلَى النَّاسِ).
[٤٧] وعَبَّرَ يوسف رؤيا الملك، بما اهتز له أركان المجتمع، فبين لهم: أن أمامهم سبع سنين من الرفاه والوفرة، ولكن عليهم أن يستعدوا فيها لسبع سنين جدباء، فكلما حصدوا أكثر من حاجتهم من القمح احتفظوا به وهي في السنابل لمجابهة أيام القحط التي تنتهي بسنة صعبة يتوافد عليهم الناس من كل مكان طلبا للقمح.
(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً) أي تجتهدون سبع سنين في الزراعة، ويبدو أن الشعب المصري كان في عز حضارته في تلك السنين.
(فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ) أي اعملوا كثيرا، وكلوا قليلا، وحافظوا على ثرواتكم للمستقبل، وهكذا نصح يوسف قوم مصر بأفضل الحِكَم الحضارية.
[٤٨] (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ) أي تأتي سبع سنين شديدة جدباء تأكلون فيها ما جمعتم في سنين الرخاء (مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ).
وعبر يوسف عليه السلام بالسنين وكأنها حيوانات تأكل خيرات السنين الماضيات للإشارة إلى الرؤيا، وأن السنة تشبه البقرة التي رآها ملك مصر في نومه.
(إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ) فهو الوحيد الباقي لكم.
الحصن هو: الحرز، ويبدو أن يوسف أشار عليهم بضرورة المحافظة على انتاجهم في سنين الرخاء بصورة جيدة.
[٤٩] أما السنة الأخيرة فهي- حسب بعض التفاسير- سنة خصب ورخاء حيث يهطل الغيث وينزل الرب من المعصرات ماءً ثجاجا؛ فقال سبحانه (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ) بهطول الأمطار.
(وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) وفسرت هذه الكلمة بأنهم كانوا يعصرون عادة الدهن لأيام شتائهم و جاء في حديث شريف تفسير العصر بالغيث الهاطل وهذا هو المشهور في تفسير هذه الآية.
وقد ذكرنا [١] تفسيراً آخر تحتمله الآية: أنهم في تلك السنة عاشوا شدة بحاجة إلى الإغاثة
[١] في الطبعة الأولى من التفسير.