من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٤ - المؤامرة
الأولى: إن العاقبة للمتقين، وهذا النوع يتبين لنا في نهاية القصة فقط.
الثانية: آيات تكشف نفسية البشر، وطبيعة القوى المتناقضة في ذاته، وكيف يعين الله عباده في الأوقات الحرجة، وما أشبه من العبر التي تستوحى من اللحظات الحساسة في القصة. لذلك علينا أن نلاحظ في تدبرنا لقصة يوسف هذين النوعين من الآيات المفيدة للسائلين.
المؤامرة
[٨] جلس أخوة يوسف يتآمرون وقالوا: إن يوسف وأخاه من أمه أحب إلى قلب أبينا منا، بينما نحن أكثر عددا منهم، وينبغي أن نكون نحن الوارثين لأمجاد أبينا، فأبونا إذا في ضلال مبين (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) قال بعض المفسرين ما يلي: (أي في ذهاب عن طريق الصواب الذي هو التعديل بيننا في المحبة)، وقيل معناه: (إنه في خطأ من الرأي في أمور الأولاد والتدبير الدنيوي، ونحن أقوم بأمور مواشيه وأمواله وسائر أعماله، ولم يريدوا به الضلال عن الدين لأنهم لو أرادوا ذلك لكانوا كفارا، وذلك خلاف الإجماع) [١].
ويبدو أن الضلال المقصود إنما هو الضلال عن الطريق القويم في معاملة أبنائه.
[٩] وإذا كان الأب في ضلال فلابد أن يعارضوه ويقاطعوه، ولكنهم كادوا ليوسف- أخيهم البريء- وتآمروا على أن يقتلوه، أو ينفوه في أرض بعيدة يموت فيها.
والسبب: أن منطلقهم الفكري كان (العنصرية) التي اوحت اليهم بأنهم ما داموا عصبة فهم أفضل من غيرهم، وهذا هو منطق القوة الذي يتكلم به كل الطغاة، وإذا كان اخوة يوسف يقيمون أنفسهم وفق المقاييس الرسالية لعرفوا بأن صفات يوسف الرسالية أحسن من صفاتهم، فهو أحق بقرب والدهم منهم لذلك قالوا (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ) إن إخوة يوسف حاولوا الجمع بين الدين والدنيا، بين الحق والباطل، فمن جهة أثارهم حسدهم ونظرتهم العنصرية إلى أنفسهم نحو قتل أخيهم البريء، ومن جهة ثانية فكروا في أن يصبحوا صالحين في يوم من الأيام.
[١٠] وأدرك أحدهم حنان الأخوة (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ) غيابة الجب شبه طاق فوق ماء البئر، ويقال: إن
[١] مجمع البيان: ج ٥ ص ٢٧٣.