الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٠٠ - أخذ صوتا من جارية بثلاثة دراهم فأخذ به من الرشيد ثلاثة آلاف دينار
- الشعر لعبيد بن الأبرص. و الغناء لابن جامع ثاني ثقيل من أصوات قليلات الأشباه، عن إسحاق. و فيه لابن محرز ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو بن بانة. و ذكر يونس أن فيه لحنا لمعبد و لم يجنّسه. و فيه لحكم هزج بالوسطى عن عمرو و الهشاميّ. و لمخارق في هذه الأبيات رمل بالبنصر عن الهشاميّ. و ذكر حبش أن الثقيل الأوّل للغريض.
و ذكر الهشاميّ أن لمتيّم فيها ثاني ثقيل بالوسطى- قال: فقالت أمّ جعفر للرشيد: ما أحسن ما اشتهيت و اللّه يا أمير المؤمنين!. ثم قالت لمسلم خادمها: ادفع إلى ابن جامع لكل بيت مائة ألف درهم. فقال الرشيد: غلبتنا يا بنت أبي [١] الفضل و سبقتنا إلى برّ ضيفنا و جليسنا. فلما خرج، حمل إليها مكان كلّ درهم دينارا.
أخذ صوتا من جارية بثلاثة دراهم فأخذ به من الرشيد ثلاثة آلاف دينار:
أخبرنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال أخبرني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدّثني محمد بن ضوين الصّلصال التّيميّ قال حدّثني إسماعيل بن جامع السّهميّ قال:
ضمّني الدهر [٢] ضمّا شديدا بمكة، فانتقلت منها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يوما و ما أملك إلا ثلاثة دراهم. فهي في كمّي إذا أنا بجارية حميراء على رقبتها جرّة تريد الرّكيّ [٣] تسعى بين يديّ و ترنّم بصوت شجيّ تقول:
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا
فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
و ذاك لأنّ النوم يغشى عيونهم
سراعا و ما يغشى لنا النوم أعينا
/ إذا ما دنا الليل المضرّ [٤] لذي الهوى
جزعنا و هم يستبشرون إذا دنا
فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما
نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
قال: فأخذ الغناء بقلبي و لم يدر لي منه حرف. فقلت: يا جارية، ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك! فلو شئت أعدت؛ قالت: حبّا و كرامة. ثم أسندت ظهرها إلى جدار قرب منها و رفعت إحدى رجليها فوضعتها على الأخرى، و وضعت الجرّة على ساقيها ثم انبعثت تغنّيه؛ فو اللّه ما دار لي منه حرف؛ فقلت: أحسنت! فلو شئت أعدتيه مرّة أخرى! ففطنت و كلحت و قالت: ما أعجب أمركم! أحدكم لا يزال يجيء إلى الجارية عليها الضّريبة فيشغلها! فضربت بيدي إلى الثلاثة الدراهم فدفعتها إليها، و قلت: أقيمي بها وجهك اليوم إلى أن نلتقي. قال:
فأخذتها كالكارهة و قالت: أنت الآن تريد أن تأخذ منّي صوتا أحسبك ستأخذ به ألف/ دينار و ألف دينار و ألف دينار. قال: و انبعثت تغنّي؛ فأعملت فكري في غنائها حتى دار لي الصوت و فهمته، و انصرفت مسرورا إلى منزلي أردّده حتى خفّ على لساني. ثم إني خرجت أريد بغداد فدخلتها، فنزل بي المكاري على باب [٥] محوّل؛ فبقيت لا أدري أين أتوجّه و لا من أقصد. فذهبت أمشي مع الناس، حتى أتيت الجسر فعبرت معهم، ثم انتهيت إلى شارع المدينة، فرأيت مسجدا بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعا؛ فقلت: مسجد قوم سراة؛ فدخلته، و حضرت صلاة
[١] كذا في الأصول. و المعروف أن أم جعفر هي زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي، و أن جعفرا أباها ولد إبراهيم و زبيدة و جعفرا و عيسى و عبيد اللّه و صالحا و لبانة. (انظر «المعارف» لابن قتيبة ص ١٩٢).
[٢] يريد ضغطني و اشتد عليّ، من شدّة الفقر و الحاجة.
[٣] الركي: جنس للركية و هي البئر.
[٤] كذا في ب، س هنا و فيما سيأتي في جميع الأصول. و في أ، م هنا: «المبير» و في ء: «المبيد».
[٥] باب محول: محلة كبيرة من محال بغداد كانت متصلة بالكرخ.