الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٠ - أظهر إسحاق كذبه فيما ينسبه من الغناء أمام الرشيد
فظللت تأمل قرب أوبتهم
و النفس مما تأمل الأملا
فسئل عنه فنسبه إلى الغريض. فقال له إسحاق: يا أبا عثمان، ليس هذا من نمط الغريض و لا طريقته في الغناء، و لو شئت لأخذت مالك و تركت للغريض ماله و لم تتعب. فاستحيا يحيى و لم ينتفع بنفسه بقيّة يومه. فلما انصرف بعث إلى إسحاق بألطاف كثيرة و برّ واسع، و كتب إليه يعاتبه و يستكفّ شرّه و يقول له: لست من أقرانك فتضادّني، و لا أنا ممن يتصدّى لمباغضتك و مباراتك فتكايدني، و لأنت إلى أن أفيدك و أعطيك ما تعلم أنك لا تجده عند غيري فتسمو به على أكفائك أحوج منك إلى أن تباغضني، فأعطي غيرك سلاحا إذا حمله عليك لم تقم له، و أنت/ أولى و ما تختار. فعرف إسحاق صدق يحيى، فكتب إليه يعتذر، و ردّ/ الألطاف التي حملها إليه، و حلف لا يعارضه بعدها، و شرط عليه الوفاء بما وعده به من الفوائد؛ فوفّى له بها، و أخذ منه كلّ ما أراد من غناء المتقدمين. و كان إذا حز به أمر في شيء منها فزع إليه فأفاده و عاونه و نصحه؛ و ما عاود إسحاق معارضته بعد ذلك.
و حذره يحيى، فكان إذا سئل بحضرته عن شيء صدق فيه، و إذا غاب إسحاق خلّط فيما يسأل عنه. قال: و كان يحيى إذا صار إليه إسحاق بطلب منه شيئا أعطاه إياه و أفاده و ناصحه، و يقول لابنه أحمد: تعال حتى تأخذ مع أبي محمد ما اللّه يعلم أني كنت أبخل به عليك فضلا عن غيرك؛ فيأخذه أحمد عن أبيه مع إسحاق. قال: و كان إسحاق بعد ذلك يتعصّب ليحيى تعصّبا شديدا؛ و يصفه و يقدّمه و يعترف برئاسته، و كذلك كان في وصف أحمد ابنه و تقريظه.
عدد أصواته التي صنعها:
قال أحمد بن سعيد: و الاختلاف الواقع في كتب الأغاني إلى الآن من بقايا تخليط يحيى. قال أحمد بن سعيد: و كانت صنعة يحيى ثلاثة آلاف صوت، منها زهاء ألف صوت لم يقاربه فيها أحد، و الباقي متوسّط. و ذكر بعض أصحاب أحمد بن يحيى المكيّ عنه أنه سئل عن صنعة أبيه فقال: الذي صحّ عندي منها ألف و ثلاثمائة صوت، منها مائة و سبعون صوتا غلب فيها على الناس جميعا من تقدّم منهم و من تأخّر، فلم يقم له فيها أحد.
كان ينسب الأصوات عمدا لغير أصحابها فافتضح أمره:
و قال حماد بن إسحاق قال لي أبي:
كان يحيى المكي يسأل عن الصوت، و هو يعلم لمن هو، فينسبه إلى غير صانعه، فيحمل ذلك عنه كذلك، ثم يسأله آخرون فينسبه غير تلك النسبة؛ حتى طال ذلك و كثر منه و قلّ تحفّظه، فظهر عواره، و لو لا ذلك لما قاومه أحد.
أظهر إسحاق كذبه فيما ينسبه من الغناء أمام الرشيد:
و قال أحمد بن سعيد المالكيّ في خبره:
قال إسحاق يوما للرشيد، قبل أن تصلح الحال بينه و بين يحيى المكي: أ تحب يا أمير المؤمنين أن أظهر لك كذب يحيى فيما ينسبه من الغناء؟ قال نعم. قال: أعطني أيّ شعر شئت حتى أصنع فيه، و اسألني بحضرة يحيى عن نسبته فإني سأنسبه إلى رجل لا أصل له، و اسأل يحيى عنه إذا غنّيته، فإنه لا يمتنع من أن يدّعي معرفته. فأعطاه شعرا فصنع فيه لحنا و غنّاه الرشيد؛ ثم قال له: يسألني أمير المؤمنين عن نسبته بين يديه. فلما حضر يحيى غنّاه