الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٢٣ - تهدده الحجاج فهرب و قال شعرا
يا أمير المؤمنين، إنّ غلاما منّا قال في ابنتي زينب ما لا يزال الرجل يقول مثله في بنت عمّه، و إن هذا (يعني ابنه الحجّاج) لم يزل يتتوّق إليه و يهمّ به، و أنت الآن تبعثه إلى ما هناك، و ما آمنه عليه. فدعا بالحجّاج فقال له: إن محمدا النّميريّ جاري و لا سلطان لك عليه، فلا تعرض له.
قال إسحاق فحدّثني يعقوب بن داود الثّقفي قال: قال لي مسلم بن جندب الهذليّ:
كنت مع النّميريّ و قد قتل الحجاج عبد اللّه بن الزبير و جلس يدعو الناس للبيعة، فتأخّر النميريّ حتى كان في آخرهم، فدعا به ثم قال له: إنّ مكانك لم يخف عليّ، ادن فبايع. ثم قال له: أنشدني ما قلت في زينب؛ قال: ما قلت إلا خيرا؛ قال: لتنشدنّي. فأنشده قوله:
/
تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشت
به زينب في نسوة عطرات
/ أعان الذي فوق السموات عرشه
مواشي بالبطحاء مؤتجرات
يخمّرن أطراف الأكفّ من التّقى
و يخرجن جنح الليل معتجرات
فما ذكرت أيها الأمير إلا كرما و خيرا و طيبا. قال: فأنشد كلمتك كلّها فأنت آمن؛ فأنشده حتى بلغ إلى قوله:
و لمّا رأت ركب النّميريّ راعها
و كنّ من أن يلقينه حذرات
فقال له: و ما كان ركبك؟ قال: و اللّه ما كان إلا أربعة أحمرة تحمل القطران. فضحك الحجّاج و أمره بالانصراف و لم يعرض له.
تهدده الحجاج فهرب و قال شعرا:
أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ عن الخليل بن أسد عن العمريّ عن عطاء عن عاصم بن الحدثان قال:
كان ابن نمير الثّقفيّ يشبّب بزينب بنت يوسف بن الحكم؛ فكان الحجّاج يتهدّده و يقول: لو لا أن يقول قائل صدق لقطعت لسانه. فهرب إلى اليمن ثم ركب بحر [١] عدن، و قال في هربه:
أتتني عن الحجّاج و البحر بيننا
عقارب تسري و العيون هواجع
فضقت بها ذرعا و أجهشت خيفة
و لم آمن الحجّاج و الأمر فاظع
و حلّ بي الخطب الذي جاءني به
سميع فليست تستقرّ الأضالع
فبتّ أدير الأمر و الرأي ليلتي
و قد أخضلت خدّي الدموع التوابع [٢]
و لم أر خيرا لي من الصبر إنه
أعفّ و خير إذ عرتني الفواجع
/ و ما أمنت نفسي الذي خفت شرّه
و لا طاب لي مما خشيت المضاجع
إلى أن بدا لي رأس إسبيل [٣] طالعا
و إسبيل حصن لم تنله الأصابع
[١] هو بحر القلزم، و يسمى في كل موضع يمرّ به باسم ذلك الموضع، فإذا قابله بطن اليمن يسمى بحر عدن إلى أن يجاوز عدن ثم يسمى بحر الزنج، و هو بحر مظلم أسود لا يرى مما فيه شيء. و بقرب عدن معدن اللؤلؤ يرفع ما يخرج منه إلى عدن.
[٢] في «معجم البلدان» (ج ١ ص ٢٤٠ طبع أوروبا): «الدوافع».
[٣] كذا في أ، ء، م و «تجريد الأغاني» و «معجم البلدان». و إسبيل: جبل في مخلاف ذمار، و هو منقسم بنصفين نصف إلى مخلاف رداع