الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٤ - زاره إبراهيم الموصلي و ابن جامع في مرضه فأوصى بالمحافظة على غنائه
سمع أبو ريحانة جارية تغني فشق قربتها و اشترى لها عوضها:
أخبرني إسماعيل قال حدّثني عمر بن شبّة قال:
مرّت جارية بأبي ريحانة يوما على ظهرها قربة و هي تغنّي و تقول:
و أبكى فلا ليلى بكت من صبابة
إليّ و لا ليلى لذي الودّ تبذل
و أخنع بالعتبى إذا كنت مذنبا
و إن أذنبت كنت الذي أتنصّل
فقام إليها فقال: يا سيّدتي أعيدي؛ فقالت: مولاتي تنتظرني و القربة على ظهري؛ فقال: أنا أحملها عنك؛ فدفعتها إليه فحملها، و غنته الصوت، فطرب فرمى بالقربة فشقّها. فقالت له الجارية: أ من حقّي أن أغنّيك و تشقّ قربتي! فقال لها: لا عليك، تعالي معي إلى السّوق؛ فجاءت معه فباع ملحفته و اشترى لها بثمنها قربة جديدة. فقال له رجل: يا أبا ريحانة، أنت و اللّه كما قال اللّه عزّ و جلّ: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ؛ فقال: بل أنا كما قال اللّه عزّ و جلّ: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
مر بأبي ريحانة المدني و هو في الشمس من البرد فغنى له فشق ثوبه و بقي في البرد:
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثني أبو العيناء قال قال إسحاق الموصليّ:
بلغني أنّ أبا ريحانة المدنيّ كان جالسا في يوم شديد البرد و عليه قميص خلق رقيق؛ فمرّ به سياط المغنّي فوثب إليه و أخذ بلجامه و قال له: يا سيّدي، بحق القبر و من فيه غنّني صوت ابن جندب، فغنّاه [١]:
فؤادي رهين في هواك و مهجتي
تذوب و أجفاني عليك همول
/ فشقّ قميصه حتى خرج منه و بقي عاريا و غشي عليه، و اجتمع الناس حوله و سياط واقف/ متعجّب مما فعل. ثم أفاق و قام إليه؛ فرحمه سياط و قال له: مالك يا مشئوم؟ أيّ شيء تريد؟ قال: غنّني باللّه عليك:
سودّع أمامة حان منك رحيل
إنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل القضيب تمايلت أعطافه
فالريح تجذب متنه فيميل
إن كان شأنكم الدلال فإنه
حسن دلالك يا أميم جميل
فغنّاه إياه؛ فلطم وجهه ثم خرج الدم من أنفه و وقع صريعا. و مضى سياط، و حمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس. فلما أفاق قيل له: ويحك! خرقت قميصك و ليس لك غيره! فقال: دعوني، فإن الغناء الحسن من المغنّي المطرب أدفأ للمقرور من حمّام المهديّ إذا أوقد سبعة أيام. قال: و وجّه له سياط بقميص و جبّة و سراويل و عمامة.
زاره إبراهيم الموصلي و ابن جامع في مرضه فأوصى بالمحافظة على غنائه:
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثني أبو أيّوب المدنيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه الخزاعيّ و حمّاد بن إسحاق جميعا عن إسحاق قال:
كان سياط أستاذ أبي و أستاذ ابن جامع و من كان في ذلك العصر. فاعتلّ علة، فجاءه أبي و ابن جامع يعودانه.
فقال له أبي: أعزز عليّ بعلتك أبا وهب! و لو كانت مما يفتدى لفديتك منها. قال: كيف كنت لكم؟ قلنا: نعم
[١] كذا في ح. و في سائر الأصول: «فغناه و قال ... إلخ». و الظاهر أن كلمة «و قال» مقحمة من الناسخ.