الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥١٩ - أحسن الناس حلوقا في الغناء
وثب الشيخ إلى نعله فعلّقها في أذنه و جثا على ركبتيه و أخذ بطرف أذنه و النّعل فيها و جعل يقول: أهدوني [١] أنا بدنة، أهدوني أنا بدنة. ثم أقبل عليهم فقال: كم قيل لكم إنها تساوي؟ قالوا: ستمائة دينار. قال: هي و حقّ القبر خير من ستة آلاف دينار، و و اللّه لا يملكها عليّ أحد أبدا، فانصرفوا إذا شئتم.
كان ابن جريج في حلقة يحدث فمرّ به ابن تيزن فسأله أن يغنيه بغناء ابن سريج:
أخبرنا وسواسة بن الموصليّ- و هو أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصليّ- قال حدّثني حماد بن إسحاق قال:
وجدت في كتب أبي عن عثمان بن حفص الثّقفيّ عن ابن عمّ لعمارة بن حمزة قال حدّثني سليم [٢] الحساب عن داود المكيّ قال:
كنّا في حلقة ابن جريج و هو يحدّثنا و عنده ابن المبارك و جماعة من العراقيّين، إذ مرّ به ابن تيزن- قال حمّاد:
و يقال ابن بيرن- و قد ائتزر بمئزرة على صدره، و هي إزرة الشّطّار [٣] عندنا. فدعاه ابن جريج؛ فقال له: إني مستعجل، و قد وعدت أصحابا لي فلا أقدر أن أحتبس عنهم. فأقسم عليه حتى أتاه، فجلس و قال له: ما تريد؟
قال: أحبّ أن تسمعني. قال: أنا أجيئك إلى المنزل، فلم تجلسني مع هؤلاء الثقلاء!. قال: أسألك أن تفعل؛ قال: امرأته طالق إن غنّاك فوق ثلاثة أصوات. قال: ويحك! ما أعجلك باليمين؟! قال: أكره أن أحتبس عن أصحابي. فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال: اعقلوا رحمكم اللّه. ثم قال له: غنّني الصوت/ الذي أخبرتني أنّ ابن سريج غنّاه في اليوم الثالث [٤] من أيام منى على جمرة العقبة فقطع الطريق على الذاهب و الجائي حتى تكسّرت المحامل. فغنّاه:
عوجي عليّ فسلّمي جبر
فقال ابن جريج: أحسنت و اللّه!- ثلاث مرّات- ويحك أعده. قال: أ من الثلاثة؟ فإني قد حلفت. قال: أعده فأعاده؛ فقال: أحسنت! أعده من الثلاثة؛ فأعاده و قام فمضى. فقال ابن جريج لأصحابه: لعلكم أنكرتم ما فعلت! قالوا: إنا لننكره بالعراق. قال: فما تقولون في الرّجز؟ (يعني الحداء) قالوا: لا بأس به. قال: فما الفرق بينهما!.
أحسن الناس حلوقا في الغناء:
و ذكر هارون بن محمد بن عبد الملك عن أبي أيوب المدينيّ قال:
ثلاثة من المغنّين كانوا أحسن الناس حلوقا: ابن تيزن، و ابن عائشة، و ابن أبي الكنّات.
[١] الإهداء: سوق الحيوان إبلا أو بقرا أو شاء إلى البيت الحرام هديا.
[٢] في ب، س: «سليمان».
[٣] كان هذا الاسم يطلق في الدولة العباسية على أهل البطالة و الفساد.
[٤] في أ، ح، ء، م: «الثاني».