الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٦ - ذكره ابن إياس لابن الكردية فطلبه و استنشده فأنشده شعرا أغضبه فضربه
كريم النّثا [١] حلو الشمائل بينه
و بين المزجّى نفنف متباعد [٢]
إذا نازع القوم الأحاديث لم يكن
عييّا و لا ثقلا على من يقاعد
صبور على العلّات يصبح بطنه
خميصا و آتيه على الزاد حامد
وضعنا الفتى كلّ الفتى في حفيرة
بحرّين [٣] قد راحت عليه العوائد
صريعا كنصل السيف تضرب حوله
ترائبهنّ المعولات الفواقد [٤]
قال: فبكى أبو جعفر حتى أخضل لحيته، ثم قال: هكذا كان أخي أبو العباس رضي اللّه عنه.
ذكره ابن إياس لابن الكردية فطلبه و استنشده فأنشده شعرا أغضبه فضربه:
أخبرني الحسين [٥] بن يحيى المرداسيّ قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال:
كان جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروف بابن الكرديّة يستخفّ مطيع بن إياس و يحبه، و كان منقطعا إليه و له معه منزلة حسنة، فذكر له حمادا الراوية،/ و كان صديقه، و كان مطّرحا مجفوّا في أيامهم، فقال: ائتنا به لنراه.
فأتى مطيع حمّادا فأخبره بذلك و أمره بالمسير معه إليه؛ فقال له حماد: دعني فإن دولتي كانت مع بني أمية و مالي عند هؤلاء خير، فأبى مطيع إلّا الذهاب إليه، فاستعار حماد سوادا و سيفا ثم أتاه، ثم مضى به مطيع إلى جعفر. فلما دخل عليه سلّم عليه سلاما حسنا و أثنى عليه و ذكر فضله؛ فردّ عليه و أمره بالجلوس فجلس. فقال جعفر: أنشدني؛ فقال: لمن أيها الأمير؟ أ لشاعر بعينه أم لمن حضر؟ قال: بل أنشدني لجرير. قال حمّاد: فسلخ و اللّه شعر جرير كلّه من قلبي إلا قوله:
بان الخليط برامتين [٦] فودّعوا
أو كلّما اعتزموا [٧] لبين تجزع
فاندفعت فأنشدته إياه، حتى انتهيت إلى قوله:
و تقول بوزع قد دببت على العصا
هلّا هزئت بغيرنا يا بوزع
قال حماد: فقال لي جعفر: أعد هذا البيت، فأعدته؛ فقال: بوزع، أيّ شيء هو؟ فقلت: اسم امرأة؛ فقال:
امرأة اسمها بوزع! هو بريء من اللّه و رسوله و نفيّ من العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلا غولا من الغيلان! تركتني و اللّه يا هذا لا أنام الليلة من فزع بوزع؛/ يا غلمان! قفاه؛ فصفعت و اللّه حتى لم أدر أين أنا؛ ثم قال: جرّوا
[١] النثا (بالتحريك و القصر): ما أخبرت به عن الرجل من حسن أو سيّئ. و في الأصول: «الثنا».
[٢] المزجى: الضعيف. و سمى مزجى لتأخره و حاجتهم إلى تزجيته و استحثاثه فيما يعن. و النفنف: المهواة بين الجبلين.
[٣] كذا في ب، س. و حرين (بالضم ثم الكسر و التشديد و آخره نون): بلد قرب آمد. و في سائر الأصول: «بجوءين» و لم نجد بلدا بهذا الاسم في المظان التي بين أيدينا.
[٤] الترائب: عظام الصدر، واحدها تريبة. و الفواقد: من فقدن أزواجهن أو أولادهن.
[٥] في جميع الأصول هنا: «الحسين» و يلاحظ أن هذا الاسم ورد مضطربا فيما مر من الكتاب بين: «الحسن» و «الحسين» و لم نوفق إلى مرجع نرجح به إحدى الروايتين.
[٦] رامتين: تثنية رامة، و كثير من أسماء المواضع يأتي في الشعر مفردا و مثنى و مجموعا فحسب الضرورة الشعرية. و رامة: منزل بينه و بين الرمادة ليلة في طريق البصرة إلى مكة و منه إلى إمرة. و هي آخر بلاد بني تميم، و بين رامة و بين البصرة اثنتا عشرة مرحلة، و قيل هي هضبة أو جبل لبني دارم.
[٧] في «النقائض» (ص ٩٦١ طبع أوروبا): «رفعوا». و رفع القوم: أصعدوا في البلاد.