الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٥ - عابه الحسن البصري و هتف به فهجاه
أصبحت كالحائم الحرّان مجتنبا
لم يقض وردا و لا يرجى له صدر
قال: و قال فيها أيضا- و هو من جيّد ما قال فيها-:
يزهّدني في حبّ عبدة معشر
قلوبهم فيها مخالفة قلبي
فقلت دعوا قلبي و ما اختار و ارتضى
فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحبّ
فما تبصر العينان في موضع الهوى
و لا تسمع الأذنان إلا من القلب
و ما الحسن إلا كلّ حسن دعا الصّبا
و ألّف بين العشق و العاشق الصبّ
قال: و قال فيها:
يا قلب مالي أراك لا تقر
إياك أعني و عندك الخبر
أضعت بين الألى مضوا حرقا
أم ضاع ما استودعوك إذ بكروا؟
فقال بعض الحديث يشغفني
و القلب راء ما لا يرى البصر
عابه الحسن البصري و هتف به فهجاه:
و أخبرني بهذا الخبر أبو الحسن أحمد بن محمد الأسديّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا خالد بن يزيد بن وهب عن جرير عن أبيه بمثل هذه القصة، و زاد فيها:
/ أنّ عبدة جاءت إليه في نسوة خمس قد مات لإحداهن قريب فسألنه أن يقول شعرا ينحن عليه به، فوافينه و قد احتجم- و كان له مجلسان: مجلس يجلس فيه غدوة يسميه «البردان» و مجلس يجلس فيه عشيّة يسميه «الرّقيق»- و هو جالس في البردان و قد قال لغلامه: أمسك عليّ بابي و اطبخ لي و هيّئ طعامي و طيّبه و صفّ نبيذي.
قال: فإنه لكذلك إذا قرع الباب عليه قرعا عنيفا؛ فقال: ويحك يا غلام! انظر من يدقّ الباب دقّ الشّرط؛ فنظر الغلام و جاءه فقال: خمس نسوة بالباب يسألنك أن تقول شعرا ينحن فيه؛ فقال: أدخلهنّ. فلما دخلن/ نظرن إلى النبيذ مصفّى في قنانيّه؛ [في جانب بيته] [١] فقالت إحداهن: خمر؛ [و قالت الأخرى: زبيب] [٢]؛ و قالت الأخرى:
معسّل. فقال: لست بقائل لكنّ حرفا أو تطعمن من طعامي و تشربن من شرابي. فتماسكن ساعة، و قالت إحداهن:
فما عليكنّ من ذلك! هذا أعمى، كلن من طعامه و اشربن من شرابه و خذن شعره، ففعلن. و بلغ ذلك الحسن البصري فعابه و هتف به. فبلغ ذلك بشّارا، و كان الحسن يلقّب القسّ [٣]، فقال فيه بشّار:
لمّا طلعن من الرّقي
ق عليّ بالبردان خمسا [٤]
و كأنهنّ أهلّة
تحت الثياب زففن شمسا
باكرن طيب لطيمة [٥]
و عمسن في الجاديّ عمسا
[١] زيادة عن ح.
[٢] هذه العبارة ساقطة من ب، س.
[٣] لقب به لصلاحه.
[٤] تقدّمت هذه الأبيات مع تفسير كلماتها الغامضة في «ترجمة بشار» (ج ٣ ص ١٧٠ من هذه الطبعة).
[٥] اللطيمة: المسك و نافجته، و قيل: العير التي تحمل الطيب. و الجادي: الزعفران.