الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٤٢ - أرضت أم البنين وضاح و هو في دمشق فقال شعرا
و أقفلت عليه. فأهدي للوليد جوهر له قيمة فأعجبه و استحسنه، فدعا خادما له فبعث به معه إلى أم البنين و قال: قل لها: إن هذا الجوهر أعجبني فآثرتك به. فدخل الخادم عليها مفاجأة و وضّاح عندها، فأدخلته الصندوق و هو يرى، فأدّى إليها رسالة الوليد و دفع إليها الجوهر، ثم قال: يا مولاتي، هبيني منه حجرا؛ فقالت: لا، بابن اللّخناء و لا كرامة. فرجع إلى الوليد فأخبره؛ فقال: كذبت يا ابن اللخناء، و أمر به فوجئت عنقه. ثم لبس نعليه و دخل على أمّ البنين و هي جالسة في ذلك البيت تمتشط، و قد وصف له الخادم الصندوق الذي أدخلته فيه، فجلس عليه ثم قال لها: يا أمّ البنين، ما أحبّ إليك هذا البيت من بين بيوتك! فلم تختارينه؟ فقالت: أجلس فيه و أختاره لأنه يجمع حوائجي كلّها فأتناولها منه كما أريد من قرب. فقال لها: هبي لي صندوقا من هذه الصناديق؛ قالت: كلّها لك يا أمير المؤمنين؛ قال: ما أريدها كلّها و إنما أريد واحدا منها؛ فقالت/ له: خذ أيّها شئت؛ قال: هذا الذي جلست عليه؛ قالت: خذ غيره فإن لي فيه أشياء أحتاج إليها؛ قال: ما أريد غيره؛ قالت: خذه يا أمير المؤمنين. فدعا بالخدم و أمرهم بحمله، فحمله حتى انتهى به إلى مجلسه فوضعه فيه. ثم دعا عبيدا له فأمرهم فحفروا بئرا في المجلس عميقة، فنحّى البساط و حفرت إلى الماء. ثم دعا بالصندوق فقال: [يا هذا] [١] إنه بلغنا شيء إن كان حقّا فقد كفّنّاك [٢] و دفنّاك و دفنّا ذكرك و قطعنا أثرك إلى آخر الدهر، و إن كان باطلا فإنا دفنّا الخشب، و ما أهون/ ذلك! ثم قذف به في البئر و هيل عليه التراب و سوّيت الأرض و ردّ البساط إلى حاله و جلس الوليد عليه. ثم ما رئي بعد ذلك اليوم لوضّاح أثر في الدنيا إلى هذا اليوم. قال: و ما رأت أمّ البنين لذلك أثرا في وجه الوليد حتى فرّق الموت بينهما.
أرضت أم البنين وضاح و هو في دمشق فقال شعرا:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني مصعب بن عبد اللّه قال:
رضت أم البنين و وضّاح مقيم بدمشق، و كان نازلا عليها؛ فقال في علّتها:
صوت
حتّام نكتم حزننا حتّاما
و علام نستبقي الدموع علاما
إن الذي بي قد تفاقم و اعتلى
و نما و زاد و أورث الأسقاما
قد أصبحت أمّ البنين مريضة
نخشى و نشفق أن يكون حماما
يا ربّ أمتعني بطول بقائها
و اجبر بها الأرمال و الأيتاما
و اجبر بها الرجل الغريب بأرضها
قد فارق الأخوال و الأعماما
كم راغبين و راهبين و بؤّس
عصموا بقرب جنابها إعصاما
بجناب ظاهرة الثّنا [٣] محمودة
لا يستطاع كلامها إعظاما
[١] الزيادة عن كتاب «أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية و الإسلام» لمحمد بن حبيب، المحفوظ منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية (تحت رقم ٥٧ أدب ش).
[٢] كذا في جميع الأصول و لعلها: «كفيناك».
[٣] كذا في أكثر الأصول. و في ح: «النثا». الثنا، كما قال الجوهري، في الخير خاصة. النثا (بالقصر): مثل الثنا إلا أنه في الخير و الشر.