الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٥ - كان في حانة فطلبه المنصور فجاءه و أنشده من شعر هفان بن همام
أ تنسى [١] إذ تودّعنا سليمى
بفرع بشامة، سقي البشام [٢]
فغنّى. ثم قال: غنني:
جلا أميّة عنّا كلّ مظلمة
سهل الحجاب و أوفى بالذي وعدا
/ فغنّاه. ثم قال: اسقني يا غلام بزبّ فرعون، فأتاه بقدح معوجّ فيه طول فسقاه به عشرين قدحا. ثم أتاه الحاجب فقال: أصلح اللّه أمير المؤمنين، الرجل الذي طلبت بالباب؛ فقال: أدخله، فدخل غلام شابّ لم أر أحسن منه وجها [٣] في رجله فدع [٤]، فقال: يا سبرة اسقه كأسا، فسقاه، ثم قال له: غنني:
و هي إذ ذاك عليها مئزر
و لها بيت جوار من لعب
فغنّاه، فنبذ إليه أحد ثوبيه، ثم قال: غنني:
طرق الخيال فمرحبا
ألفا برؤية زينبا
فغضب معبد و قال: يا أمير المؤمنين، إنا مقبلون إليك بأقدارنا و أسناننا، و إنك تتركنا بمزجر الكلب و أقبلت على هذا الصبي؛ فقال: و اللّه يا أبا عبّاد ما جهلت قدرك و لا سنّك،/ و لكن هذا الغلام طرحني على مثل الطّياجن [٥] من حرارة غنائه. فسألت عن الغلام؟ فإذا هو ابن عائشة.
كان في حانة فطلبه المنصور فجاءه و أنشده من شعر هفان بن همام:
حدّثني الحسن بن محمد المادرانيّ الكاتب قال حدّثني الرياشيّ عن العتبيّ، و أخبرني به هاشم بن محمد عن الرياشي- و ليس خبره بتمام هذا- قال:
طلب المنصور حمّادا الراوية، فطلب ببغداد فلم يوجد، و سئل عنه إخوانه فعرّفوا من سألهم عنه أنه بالبصرة، فوجّهوا إليه برسول يشخصه. قال الرسول: فوجدته في حانة و هو عريان يشرب نبيذا من إجّانة [٦] و على سوأته رأس دستجة [٧]، فقلت: أجب أمير المؤمنين. فما رأيت رسالة أرفع و لا حالة أوضع من/ تلك. فأجاب، فأشخصته إليه. فلما مثل بين يديه، قال له: أنشدني شعر هفّان بن همّام بن نضلة يرثي أباه؛ فأنشده:
خليلّ عوجا إنها حاجة لنا
على قبر همّام سقته الرواعد
على قبر من يرجى نداه و يبتغى
جداه إذا لم يحمد الأرض رائد
[١] ورد صدر هذا البيت في «اللسان» مادة «بشم» هكذا:
أتذكر يوم تصقل عارضيها
و صدر هذا البيت في التهذيب:
أتذكر إذ تودعنا سليمى
[٢] البشام: شجر طيب الريح و الطعم يستاك به. يعني بالبيت أنها أشارت بسواكها فكان ذلك وداعها و لم تتكلم خيفة الرقباء.
[٣] في ب، س: «لم أر ... وجها من رجل في رجله ... إلخ» و لا يستقيم الكلام بهذه الزيادة.
[٤] الفدع: عوج و ميل في المفاصل كلها خلقة أو داء.
[٥] كذا في أكثر الأصول. و الطياجن: الطوابق يقلي عليها. و في ب، س: «الطناجير» و هو تحريف.
[٦] الإجانة: آنية تغسل فيها الثياب.
[٧] كذا في أ، ء. و الدستجة»: الإناء الكبير من الزجاج معرب: «دستة» و في ح، م: «دسيتجة» (بالتصغير). و في ب، س: «دستيجة» و لعلها محرفة عما في ح، م.