الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٦٦ - صوت من المائة المختارة
أنّ أمّ جعفر لمّا أكثر الأحوص في ذكرها جاءت منتقبة [١]، فوقفت عليه في مجلس قومه و لا يعرفها، و كانت امرأة عفيفة؛ فقالت له: اقض ثمن الغنم التي ابتعتها منّي؛ فقال: ما ابتعت منك شيئا. فأظهرت كتابا قد وضعته عليه/ و بكت و شكت حاجة و ضرّا و فاقة و قالت: يا قوم، كلّموه. فلامه قومه و قالوا: اقض المرأة حقّها؛ فجعل يحلف أنه ما رآها قطّ و لا يعرفها. فكشفت وجهها و قالت: ويحك! أ ما تعرفني! فجعل يحلف مجتهدا أنه ما يعرفها و لا رآها قطّ. حتى إذا استفاض قولها و قوله و اجتمع الناس و كثروا و سمعوا ما دار و كثر لغطهم و أقوالهم، قامت ثم قالت: أيها الناس، اسكتوا. ثم أقبلت عليه و قالت: يا عدوّ اللّه! صدقت، و اللّه ما لي عليك حقّ و لا تعرفني، و قد حلفت على ذلك و أنت صادق، و أنا أمّ جعفر و أنت تقول: قلت لأمّ جعفر و قالت لي أم جعفر في شعرك! فخجل الأحوص و انكسر عن ذلك و برئت عندهم.
سمع أبو السائب المخزومي شعرا له فطرب:
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير، و أخبرني به محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا ثعلب قال حدّثنا الزّبير عن عبد الملك بن عبد العزيز قال:
أنشدت أبا السائب المخزوميّ قول الأحوص:
لقد منعت معروفها أمّ جعفر
و إنّي إلى معروفها لفقير
/ فلما انتهيت إلى قوله:
أزور على أن لست أنفكّ كلّما
أتيت عدوّا بالبنان يشير
أعجبه ذلك و طرب و قال: أ تدري يا ابن أخي كيف كانوا يقولون! الساعة دخل، الساعة خرج، الساعة مرّ، الساعة رجع، و جعل يومئ بإبهاميه إلى وراء منكبيه و بسبّابته [٢] إلى حيال وجهه و يقلبها، يحكي ذهابه و رجوعه.
صوت من المائة المختارة
صاح قد لمت ظالما
فانظر ان كنت لائما
هل ترى مثل ظبية
قلّدوها التمائما
الشعر لعمر بن أبي ربيعة. و الغناء في اللحن المختار لمالك خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. و أخبرني ذكاء وجه الرزّة أن فيه لعريب رملا بالبنصر، و هو الذي فيه سجحة. و فيه لابن المكّيّ خفيف ثقيل آخر بالوسطى. و زعم الهشاميّ أن فيه خفيف رمل بالوسطى لابن سريج، و قد سمعها [٣] ممن يغنّيه. و ذكر حبش أنّ فيه رملا آخر للغريض. و لعاتكة بنت شهدة فيه خفيف ثقيل، و هو من جيّد صنعتها، و ذكر جحظة عن أصحابه أن لحنها الرمل هو اللحن المختار، و أن إسحاق كان يقدّمها و يستجيدها [٤]، و يزعم أنه أخذه عنها. و قال
[١] انتقبت المرأة و تنقبت: وضعت النقاب على وجهها.
[٢] لعله: «و بسبابتيه ... و يقلبهما إلخ».
[٣] لعله: «و قد سمعه» أي اللحن.
[٤] في ح: «و يستجيده».