الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٨٨ - وقعة دولاب و شيء من أخبار الشراة
دما، و يفتح عينيه فيرى الناس كراديس يقاتل كلّ قوم في ناحية. ثم التقى الحجّاج بن باب و عمران بن الحارث الراسبيّ [١]، فاختلفا ضربتين كلّ واحد منهما قتل صاحبه، و جال الناس بينهما جولة ثم تحاجزوا؛ و. أصبح أهل البصرة- و قد هرب عامّتهم، و ولّوا حارثة بن بدر الغدانيّ أمرهم- ليس بهم طرق [٢] و لا بالخوارج. فقالت امرأة من الشّراة- و هي أم عمران قاتل الحجّاج بن باب و قتيله- ترثي ابنها عمران:
اللّه أيّد عمرانا و طهّره
و كان عمران يدعو اللّه في السّحر
/ يدعوه سرّا و إعلانا ليرزقه
شهادة بيدي ملحادة [٣] غدر
ولّى صحابته عن حرّ ملحمة
و شدّ عمران كالضرّغامة [٤] الذكر [٥]
قال: فلما عقدوا لحارثة بن بدر الرئاسة و سلّموا إليه الراية نادى فيهم بأن يثبتوا، فإذا فتح اللّه عليهم فللعرب زيادة فريضتين و للموالي زيادة فريضة؛ فندب الناس فالتقوا و ليس بأحد منهم طرق، و قد فشت فيهم الجراحات فلهم أنين، و ما تطأ الخيل إلا على القتلى. فبينما هم كذلك إذ أقبل من اليمامة جمع من الشّراة- يقول المكثّر إنهم مائتان و المقلّل إنهم أربعون- فاجتمعوا و هم يريحون مع أصحابهم [٦] و اجتمعوا كبكبة [٧] واحدة، فحملوا على المسلمين.
فلما رآهم حارثة بن بدر نكص برايته فانهزم و قال:
كرنبوا [٨] و دولبوا
و حيث شئتم فاذهبوا [٩]
و قال:
أير الحمار فريضة لعبيدكم
و الخصيتان فريضة الأعراب
/ و تتابع الناس على أثره منهزمين، و تبعتهم الخوارج، فألقوا أنفسهم في دجيل [١٠] فغرق منهم خلق كثير
[١] كذا في أ، ء و «الكامل». و في سائر الأصول: «الراسي».
[٢] كذا في أكثر الأصول. و الطرق (بالكسر): القوة. و في ب، س: «لهم طرف» بالفاء و هو تصحيف.
[٣] الملحادة: مفعال من الإلحاد (و هو الجور و العدول عن الدين) كما يقال رجل معطاء و مكرام. و أدخلت الهاء للمبالغة كما تدخل في راوية و علامة و نسابة. و غدر (بضم ففتح): كثير الغدر.
[٤] الضرغامة: من أسماء الأسد.
[٥] في «الكامل»: «الهصر» و الهصر: الذي يهصر كل شيء أي يثنيه.
[٦] في ب، س: «مع أصحائهم» و لا معنى لها.
[٧] الكبكبة: الجماعة.
[٨] كذا في ح و «الطبري» (ق ٢ ص ٥٨٠) و «معجم البلدان». و كرنبوا: أنزلوا كرنبي و هي موضع بالأهواز. و دولبوا: أنزلوا دولاب.
و في سائر الأصول: «أكرنبوا» و هو تحريف.
[٩] يقال: إن سبب قول الحارثة هذا الشعر هو أنه لما خلف الحجاج بن باب على إمرة الجيش و جاء الخوارج هذا المدد الكثير المريح حملوا على المسلمين فانهزموا، و بقي حارثة يناوش الخوارج بمنزل نزله بمن بقي معه بالأهواز. فلما ولي ابن الزبير عمر بن عبد اللّه بن معمر على البصرة أرسل عمر أخاه عثمان لقتال الأزارقة و انضم إليه حارثة. ثم كان بين عثمان و حارثة خلاف اعتزل بسببه حارثة. ثم لما أفضى الأمر في محاربة الخوارج إلى المهلب و بلغ حارثة بن بدر أن المهلب قد أمر على الجيش لقتال الخوارج قال لمن معه:
كرنبوا و دولبوا
و حيث شئتم فاذهبوا
قد أمر المهلب
فذهب من كان معه إلى البصرة، فردهم الحارث بن عبد اللّه إلى المهلب. (راجع «الطبري» في حوادث سنة ٦٥).
[١٠] دجيل: نهر بالأهواز حفره أردش بن بابك أحد ملوك الفرس، و اسمه بالفارسية: «ديلدا كودك» و معناه: دجلة الصغير فعرب على