الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠٨ - عمل كتابا في الأغاني و أهداه لعبد الله بن طاهر فصححه ابنه لمحمد بن عبد الله
لو كنت جالست يحيى أو سمعت به
لم تمتدح أبدا ما عشت إنسانا
و لم تقل سفها في [١] منية [٢] عرضت
يا ليت دحمان قبل الموت غنّانا
لقد عجبت لدحمان و مادحه
لا كان مادح دحمان و لا كانا
ما كان كابن صغير العين إذ جريا
بل قام في غاية المجرى و ما دانى
بذّ الجياد أبو بكر و صيّرها
من بعد ما قرحت جذعا و ثنيانا [٣]
يعني بأبي بكر ابن صغير العين، و هو من مغنّي مكة. و له أخبار [٤] تذكر في موضعها إن شاء اللّه تعالى.
منزلته في الغناء و تلاميذه:
و عمّر يحيى المكي مائة و عشرين سنة، و أصاب بالغناء ما لم يصبه أحد من نظرائه، و مات و هو صحيح السمع و البصر و العقل. و كان قدم مع الحجازيين الذين قدموا على المهديّ في أوّل خلافته، فخرج أكثرهم و بقي يحيى بالعراق هو و ولده/ يخدمون الخلفاء إلى أن انقرضوا. و كان آخرهم محمد بن أحمد بن يحيى المكي، و كان يغنّي مرتجلا، و يحضر مجلس المعتمد مع المغنين فيوقع بقضيب على دواة. و لقيه جماعة من أصحابنا، و أخذ عنه جماعة ممن أدركنا [٥] من عجائز المغنيّات، منهم قمرية العمريّة، و كانت أمّ ولد عمرو بن بانة. و ممن أدركه من أصحابنا جحظة، و كتبنا عنه عن ابن المكي هذا حكايات حسنة من أخبار أهله. و كان ابن جامع و إبراهيم الموصليّ و فليح يفزعون إليه في الغناء القديم و يأخذونه عنه، و يعايي [٦] بعضهم بعضا بما يأخذه منه و يغرب به على أصحابه؛ فإذا خرجت لهم الجوائز أخذوا [٧] منها و وفّروا نصيبه. و له صنعة عجيبة نادرة متقدّمة. و له كتاب في الأغاني و نسبها و أخبارها [و أجناسها] [٨] كبير جليل مشهور، إلا أنه كان كالمطّرح عند الرواة لكثرة تخليطه في رواياته. و العمل على كتاب ابنه أحمد، فإنه صحّح كثيرا مما أفسده أبوه، و أزال ما عرفه من تخاليط أبيه، و حقّق ما نسبه من الأغاني إلى صانعه. و هو يشتمل على نحو ثلاثة آلاف صوت.
عمل كتابا في الأغاني و أهداه لعبد اللّه بن طاهر فصححه ابنه لمحمد بن عبد اللّه:
أخبرني عبد اللّه بن الرّبيع قال حدّثني وسواسة بن الموصلي قال حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي قال:
عمل جدّي كتابا في الأغاني و أهداه إلى عبد اللّه بن طاهر، و هو يومئذ شابّ حديث السن، فاستحسنه و سرّ به؛
[١] في أ، ء، م: «من».
[٢] المنية (بالضم و تكسر): البغية و ما يتمنى.
[٣] قرح الفرس: صار قارحا. و القارح من ذي الحافر: الذي شق نابه و طلع، و هو بمنزلة البازل من الإبل، و ذلك في الخامسة من سنه.
و الجذع (بضمتين و سكن لضرورة الشعر): جمع جذع (بالتحريك) و هو ما كان في الثانية من سنه. و الثنيان (بالضم): جمع ثنى و هو ما كان في الثالثة من سنه.
[٤] لم نجد لأبي بكر هذا أخبارا في «الأغاني» المطبوع في بولاق. فلعل المؤلف أنسى أن يذكره، أو ذكره و سقط من الكتاب.
[٥] كذا في ح. و في سائر الأصول: «ممن دركناه».
[٦] كذا في أكثر الأصول. و عايا فلان فلانا معاياة: ألقى إليه كلاما أو عملا لا يهتدي لوجهه. و في ب، س: «يعاني». و هو تصحيف.
[٧] في ب: «أخذوه» و قد صححها المرحوم الشنقيطي في نسخته فجعلها: «أحذوه» (بالحاء المهملة). و أحذاه من الغنيمة: أعطاه.
[٨] زيادة عن أ، ء، م.