الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥١٢ - خرج الغريض مع نسوة فتبعه الحارث بن خالد مع ابن أبي ربيعة
النّسوة ليس له متّرك و لا عنه محيص. فدعا بثيابه فلبسها، و قال: امض؛ فمضينا نمشي العجل حتى قربنا منهنّ.
فقال لي عمر: خفّض عليك مشيك ففعلت، حتى وقفنا عليهنّ و هنّ في أطيب حديث و أحسن مجلس؛ فسلّمنا، فتهيّبننا و تخفّرن منّا. فقال الغريض: لا عليكنّ! هذا ابن أبي ربيعة و الحارث بن خالد جاءا متشوّقين إلى حديثكنّ و غنائي. فقالت فلانة: و عليك السلام يا ابن أبي ربيعة، و اللّه ما تمّ مجلسنا إلا بك، اجلسا. فجلسنا غير بعيد، و أخذن عليهنّ جلابيبهنّ و تقنّعن بأخمرتهنّ و أقبلن علينا بوجوههنّ و قلن لعمر: كيف أحسست بنا و قد أخفينا أمرنا؟
فقال: هذا الفاسق جاءني برسالتكنّ و كنت وقيذا [١] من علّة وجدتها، فأسرعت الإجابة، و رجوت منكنّ على ذلك حسن الإثابة. فرددن عليه: قد وجب أجرك، و لم يخب سعيك، و وافق منّا الحارث إرادة. فحدّثهنّ بما قلت له/ من قصّة غناء الغريض؛ فقال النّسوة: و اللّه ما كان ذلك كذلك، و لقد نبّهتنا على صوت حسن، يا غريض هاته.
فاندفع الغريض يغنّي و يقول:
أمسى بأسماء هذا القلب معمودا
إذا أقول صحا يعتاده عيدا
حتى أتى على الشعر كلّه إلى آخره، فكلّ استحسنه. و أقبل عليّ ابن أبي ربيعة فجزاني الخير، و كذلك النّسوة.
فلم نزل بأنعم ليلة و أطيبها حتى بدأ القمر يغيب، فقمنا جميعا، و أخذ النّسوة طريقا و نحن طريقا و أخذ الغريض معنا.
و قال عمر في ذلك:
صوت
هل عند رسم برامة [٢] خبر
أم لا فأيّ الأشياء تنتظر [٣].
قد ذكّرتني الديار إذ درست
و الشوق ممّا يهيجه الذّكر
ممشى رسول إليّ يخبرني [٤]
عنهم عشاء ببعض ما ائتمروا
و مجلس النّسوة الثلاث لدى ال
خيمات حتى تبلّج السّحر
فيهنّ هند و الهمّ ذكرتها
تلك التي لا يرى لها خطر
ثم انطلقنا و عندنا و لنا
فيهنّ لو طال ليلنا وطر
و قولها للفتاة إذ أزف ال
بين أ غاد أم رائح عمر
عجلان لم يقض [٥] بعض حاجته
هلا تأنّى [٦] يوما فينتظر
[١] الوقيذ: المريض.
[٢] رامة: منزل بينه و بين الرمادة ليلة في طريق البصرة إلى مكة. و بين رامة و بين البصرة اثنتا عشرة مرحلة. و قيل: هي هضبة، و قيل:
جبل لبني دارم، و قيل فيها غير ذلك.
[٣] وردت هذه الأبيات ضمن قصيدة ثمانية عشر بيتا في ديوان عمر بن أبي ربيعة (طبع ليبسك) باختلاف يسير في بعض الكلمات و في ترتيب الأبيات.
[٤] كذا في ديوانه. و في الأصول: «ممشى فتاة إلى تخبرني».
[٥] في الديوان: «لم يقض بعد حاجته».
[٦] في ب، س: «أتانا» و هو تحريف.