الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥١٨ - حج محمد بن خالد ابن عبد الله و سمع جارية محمد بن عمران فطرب و أراد شراءها فرده
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ و أخطئ فيها، و أقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مثل الماء الجاري. قال: ضعوه في الحبس و وكّلوا به معلّما يعلّمه القرآن و ما يجب عليه من حدود الطّهارة و الصلاة و أجروا عليه في كل يوم ثلاثة دراهم و على معلّمه ثلاثة دراهم أخّر، و لا يخرج من الحبس حتى يحفظ القرآن أجمع. فكان كلّما علّم سورة نسي التي قبلها. فبعث رسولا إلى عمر: يا أمير المؤمنين، وجّه إليّ من يحمل إليك ما أتعلّمه أوّلا فأوّلا، فإني لا أقدر على حمله جملة واحدة.
فيئس عمر من فلاحه و قال: ما أرى هذه الدراهم إلا ضائعة، و لو أطعمناها جائعا أو أعطيناها محتاجا أو كسوناها عريانا لكان أصلح. ثم دعا به، فلما وقف بين يديه قال له: اقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ./ قال: أسأل اللّه العافية! أدخلت يدك في الجراب فأخرجت [١] شرّ ما فيه و أصعبه. فأمر به فوجئت [٢] عنقه و نفاه. فاندفع يغنّي و قد توجّهوا به:
عوجي عليّ فسلّمي جبر
فيم الوقوف و أنتم سفر
/ ما نلتقي إلا ثلاث منى
حتى يفرّق بيننا النّفر
فلما سمع الموكّلون به حسن ترنّمه خلّوه و قالوا له: اذهب حيث شئت مصاحبا بعد استماعهم منه طرائف [٣] غنائه سائر يومهم و ليلتهم.
حج محمد بن خالد ابن عبد اللّه و سمع جارية محمد بن عمران فطرب و أراد شراءها فرده:
أخبرني الحسين قال قال حماد قرأت على أبي عن المدائنيّ قال:
أحجّ خالد بن عبد اللّه ابنه محمدا و أصحبه رزاما [٤] مولاه و أعطاه مالا، و قال: إذا دخلت المدينة فاصرفه فيما أحببت. فلما صرنا [٥] بالمدينة سأل محمد عن جارية حاذقة؛ فقيل: عند محمد بن عمران التّيمي القاضي. فصلينا الظهر في المسجد ثم ملنا إليه فاستأذنّا عليه فأذن لنا و قد انصرف من المسجد و هو قاعد على لبد [٦] و نعلاه في آخر اللّبد؛ فسلّمنا عليه فردّ؛ و نسب [٧] محمدا فانتسب له، فقال: خيرا. ثم قال: هل من حاجة؟ فلجلج. فقال: كأنك ذكرت فلانة! يا جارية اخرجي؛ فخرجت فإذا أحسن الناس، ثم تغنّت فإذا أحذق الناس؛ فجعل الشيخ يذهب مع حركاتها و يجيء، إلى أن غنّت قوله:
عوجي عليّ فسلّمي جبر
/ فلما بلغت:
حتى يفرق بيننا النّفر
[١] كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «أشد ما فيه».
[٢] الوجء: اللكز و الضرب، يقال: وجأت عنقه و في عنقه أي ضربته.
[٣] كذا في م. و في سائر الأصول: «ظرائف» بالظاء المعجمة، و هو تصحيف.
[٤] هو رزام بن مسلم، أدرك أبا جعفر المنصور و له بعض حوادث وردت في «الطبري» (ق ٣ ص ١٣٢، ١٦٤، ١٩٦، ٢١٥، ٢١٦، ٦٣٧).
[٥] كذا في ح. و في سائر الأصول: «فلما صار».
[٦] اللبد: بساط من صوف.
[٧] نسبه: سأله عن نسبه.