الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٣ - مر بأبي ريحانة المدني و هو في الشمس من البرد فغنى له فشق ثوبه و بقي في البرد
طلبه المهدي مع حبال و عقاب فظن الحاضرون أنه يريد الإيقاع بهم:
غنّى إبراهيم الموصليّ يوما صوتا لسياط؛ فقال له ابنه إسحاق: لمن هذا الغناء يا أبت؟ قال: لمن لو عاش ما وجد أبوك شيئا يأكله؛ لسياط. قال: و قال المهديّ يوما و هو يشرب لسلّام الأبرش [١]: جئني بسياط و عقاب و حبال؛ فارتاع كلّ من حضر و ظنّ جميعهم أنه يريد الإيقاع بهم أو ببعضهم؛ فجاءه بسياط المغنّي و عقاب المدني- و كان الذي يوقع عليه- و حبال الزامر. فجعل الجلساء يشتمونهم و المهديّ يضحك.
مر بأبي ريحانة المدني و هو في الشمس من البرد فغنى له فشق ثوبه و بقي في البرد:
أخبرني محمد بن خلف قال حدّثني أبو أيوب المدنيّ قال حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال:
مرّ سياط على أبي ريحانة المدنيّ في يوم بارد و هو جالس في الشمس و عليه ثوب رقيق رثّ؛ فوثب إليه/ أبو ريحانة و قال: بأبي أنت يا أبا وهب، غنّني صوتك في شعر ابن جندب [٢]:
/
فؤادي رهين في هواك و مهجتي
تذوب و أجفاني عليك همول
فغنّاه إياه، فشقّ قميصه و رجع إلى موضعه من الشمس و قد ازداد بردا و جهدا. فقال له رجل: ما أغنى عنك ما غنّاك من شقّ قميصك! فقال له يا ابن أخي، إن الشعر الحسن من المغنّي الحسن ذي الصوت المطرب أدفأ للمقرور من حمّام محمّى. فقال له رجل: أنت عندي من الذين قال اللّه جل و عزّ: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ؛ فقال: بل أنا من الذين قال تبارك و تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. و قد أخبرني بهذا الخبر عليّ بن عبد العزيز [٣] عن ابن خرداذبه فذكر قريبا من هذا؛ و لفظ أبي أيوب و خبره أتم.
و أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعي، المعروف بابن أبي اليسع، قال حدّثنا عمر بن شبّة:
أنّ سياطا مرّ بأبي ريحانة المدنيّ، فقال له: بحق القبر و من غنّني بلحنك في شعر ابن جندب:
لكلّ حمام أنت باك إذا بكى
و دمعك منهلّ و قلبك يخفق
مخافة بعد بعد قرب و هجرة
تكون و لمّا تأت و القلب مشفق
و لي مهجة ترفضّ من خوف عتبها
و قلب بنار الحبّ يصلى و يحرق
أظلّ خليعا بين أهلي متيّما
و قلبي لما يرجوه منها معلّق
فغنّاه إياه؛ فلما استوفاه ضرب بيده على قميصه فشقّه حتى خرج منه و غشي عليه. فقال له رجل لمّا أفاق:
يا أبا ريحانة، ما أغنى عنك الغناء! ثم ذكر باقي الخبر مثل ما تقدّم.
[١] كذا في ح و «الطبري» في أكثر من موضع و فيما مر في جميع الأصول في الجزء الخامس. و هو سلام الأبرش من النقلة القدماء الذين ترجموا من اللغات إلى اللغة العربية في أيام البرامكة، و هو أحد الذين ترجموا كتاب السماع الطبيعي لأرسطو المعروف بسماع الكيان، و هو ثماني مقالات. و قد ترجم هذا الكتاب من اليوناني إلى السرياني و منها إلى العربي، و من الرومي إلى العربي، و لم ندر اللغة التي ترجمه منها إلى اللغة العربية أ هي السريانية أم الرومية. (راجع «فهرست ابن النديم» و «تاريخ الحكماء» للقفطي و «كشف الظنون»). و في سائر الأصول هنا: «سلام بن الأبرش»، و هو تحريف.
[٢] كذا في ح. و في سائر الأصول: «في شعر ابن جندب قال ... إلخ». و الظاهر أن كلمة «قال» مقحمة من الناسخ.
[٣] كذا في ح. و في سائر الأصول: «علي بن عبد العزيز بن خرداذبه» و هو تحريف؛ لأن ابن خرداذبه هو عبيد اللّه بن عبد اللّه. و قد سبقت رواية علي بن عبد العزيز عنه.