الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٤ - أطرب الهادي دون غيره من المغنين فأعطاه ثلاث بدر
يراه؛ ثم خرج عشيّا و قد حمله على بغلة له يعرفها المنصور، و خلع عليه ثيابا يعرفها له. فلما رآه المنصور قال: من هذا؟ فقيل: حكم الواديّ. فحرّك رأسه مليّا ثم قال: الآن علمت أن هذا يستحقّ ما يعطاه. قيل: و كيف ذلك يا أمير المؤمنين و أنت تنكر ما يبلغك منه؟ قال: لأنّ فلانا لا يعطي شيئا من ماله باطلا و لا يضعه إلا في حقه.
اعترض المهدي في الطريق و غناه فأجازه:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن أبي سعد [١] قال حدّثنا قعنب بن المحرز الباهليّ عن الأصمعيّ قال:
رأيت حكما الواديّ حين مضى المهديّ إلى بيت المقدس [٢]، و قد عارضه في الطريق و أخرج دفّه و نقر فيه و له شعيرات على رأسه و قال: أنا و اللّه يا أمير المؤمنين القائل:
و متى تخرج العرو
س فقد طال حبسها
فتسرّع إليه الحرس؛ فقال: دعوه [٣]، و سأل عنه فأخبر أنه حكم الواديّ؛ فوصله و أحسن إليه.
لحن حكم في هذا الشعر المذكور هزج بالبنصر. و فيه ألحان لغيره، و قد ذكرت في أخبار الوليد بن يزيد.
أطرب الهادي دون غيره من المغنين فأعطاه ثلاث بدر:
أخبرني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفلي عن صالح [٤] الأضجم عن حكم الواديّ قال:
كان الهادي يشتهي من الغناء ما توسّط و قلّ ترجيعه و لم يبلغ أن يستخفّ جدّا؛ فأخرج ليلة ثلاث بدر و قال:
من أطربني فهي له. فغنّاه ابن جامع و إبراهيم الموصليّ و الزّبير بن دحمان فلم يصنعوا شيئا، و عرفت ما أراد فغنّيته لابن سريج:
صوت
غرّاء كالليلة المباركة ال
قمراء تهدى أوائل الظّلم
أكني بغير اسمها و قد علم ال
لّه خفيّات كلّ مكتتم
/ كأن فاها إذا تنسّم [٥] عن
طيب مشمّ و حسن مبتسم
يسنّ [٦] بالضّرو [٧] من براقش أو
هيلان [٨] أو يانع من العتم [٩]
[١] في جميع الأصول هنا: «سعيد» و هو تحريف.
[٢] سيأتي هذا الخبر في ترجمة الوليد بن يزيد (ج ٧ ص ٣١ من هذه الطبعة). و قد ورد فيه أن المهدي كان يريد الحج.
[٣] كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «دعوه دعوه».
[٤] هو صالح بن علي بن عطية الأضجم الراوي.
[٥] كذا في أ، ء و نسخة الشنقيطي مصححة بقلمه. و في سائر الأصول: «تبسم».
[٦] كذا في الجزء الخامس من «الأغاني» (ص ٢٧ من هذه الطبعة). و يسن (بالبناء للمجهول): يسوّك. و في الأصول هنا: «يستن».
[٧] الضرو: شجرة الكمكام، و هو شجر طيب الريح يستاك به و يجعل ورقه في العطر، و هو المحلب. قال أبو حنيفة الدينوري: أكثر منابت الضرو باليمن و هو من شجر الجبال كالبلوط العظيم له عناقيد كعناقيد البطم غير أنه أكبر حبا، و يطبخ ورقه فإذا نضج صفى ورد ماؤه إلى النار فيعقد، يتداوى به من خشونة الصدر و وجع الحلق. (راجع «شرح القاموس» مادة ضرى).
[٨] براقش: واد باليمن شجير و كذلك هيلان. و أكثر نبات الضر و باليمن. و قيل: براقش و هيلان مدينتان عاديتان خربتا. و يسكن براقش بنو الأوبر من بلحارث بن كعب و مراد. و سميت براقش باسم كلبة و هي التي قيل فيها: «على أهلها تجني براقش». (راجع «معجم ما استعجم» و «معجم البلدان» في اسم براقش، و «شرح القاموس» و «اللسان» مادة برقش).
[٩] العتم: شجر الزيتون. و في ب، س: «العنم» (بالنون) و هو تصحيف.