الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٤ - مدح المنصور فعاتبه لمدحه بني أمية ثم أكرمه
ثم تقول فيها:
أعبد الواحد الميمون [١] إني
أغصّ حذار سخطك بالقراح
فبأي شيء استوجب ذلك منك؟ فقال: إني أخبرك بالقصة لتعذرني: أصابتني أزمة [٢] بالمدينة، فاستنهضتني بنت عمّي للخروج؛ فقلت لها: ويحك! إنه ليس عندي ما يقلّ جناحي؛ فقالت: أنا أنهضك بما أمكنني، و كانت عندي ناب لي فنهضت عليها نهجّد النوّام و نؤذي السمّار، و ليس من منزل أنزله إلا قال الناس: ابن هرمة! حتى دفعت إلى دمشق، فأويت إلى مسجد عبد الواحد في جوف الليل، فجلست فيه أنتظره إلى أن نظرت إلى بزوغ الفجر، فإذا الباب ينفلق [٣] عن رجل كأنه البدر، فدنا فأذّن ثم صلّى ركعتين، و تأملته فإذا هو عبد الواحد، فقمت فدنوت منه و سلّمت عليه؛ فقال لي: أبو إسحاق! أهلا و مرحبا؛ فقلت لبّيك، بأبي أنت و أمي! و حيّاك اللّه بالسلام و قرّبك من رضوانه؛ فقال: أ ما آن لك أن تزورنا؟ فقد طال العهد و اشتدّ الشوق، فما وراءك؟ قلت: لا تسلني- بأبي أنت و أمي- فإن الدهر قد أخنى عليّ فما وجدت مستغاثا غيرك؛ فقال: لا ترع فقد وردت على ما تحب إن شاء/ اللّه. فو اللّه إني لأخاطبه فإذا بثلاثة فتية قد خرجوا كأنهم الأشطان [٤]، فسلّموا عليه، فاستدنى الأكبر منهم فهمس إليه بشيء دوني و دون أخويه؛ فمضى إلى البيت ثم رجع، فجلس إليه فكلّمه بشيء دوني ثم ولّى، فلم يلبث أن خرج و معه عبد ضابط [٥] يحمل عبئا من الثياب حتى ضرب به بين يديّ؛ ثم همس إليه ثانية فعاد،/ و إذا به قد رجع و معه مثل ذلك، فضرب به بين يديّ. فقال لي عبد الواحد: ادن يا أبا إسحاق، فإني أعلم أنك لم تصر إلينا حتى تفاقم صدعك، فخذ هذا و ارجع إلى عيالك، فو اللّه ما سللنا لك هذا إلا من أشداق عيالنا؛ و دفع إليّ ألف دينار، و قال لي: قم فارحل فأغث من وراءك؛ فقمت إلى الباب، فلما نظرت إلى ناقتي ضقت؛ فقال لي: تعال، ما أرى هذه مبلغتك، يا غلام، قدّم له جملي فلانا. فو اللّه لقد كنت بالجمل أشدّ سرورا مني بكل ما نلته؛ فهل تلومني أن أغصّ حذار سخط هذا بالقراح! و و اللّه ما أنشدته ليلتئذ بيتا واحدا.
مدح المنصور فعاتبه لمدحه بني أمية ثم أكرمه:
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدّثني محمد بن عمر الجرجانيّ قال حدّثني عثمان [٦] بن حفص الثّقفيّ قال حدّثني محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين- صلّى اللّه عليه- قال:
دخلت مع أبي على المنصور بالمدينة و هو جالس في دار مروان، فلما اجتمع الناس قام ابن هرمة فقال:
يا أمير المؤمنين، جعلني اللّه فداءك، شاعرك و صنيعتك إن رأيت أن تأذن لي في الإنشاد؛ قال هات؛ فأنشده قوله:
سرى [٧] ثوبه عنك الصّبا المتخايل
[١] كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «المحمود» و قد اتفقت عليها جميع الأصول قبل هذا الموضع بقليل.
[٢] في ح: «أصابتني أزمة و قحمة بالمدينة». و القحمة السنة الشديدة و القحط.
[٣] في ح: «ينبلق».
[٤] الأشطان: جمع شطن و هو الحبل، و قيل الحبل الطويل.
[٥] ضابط: قوي شديد.
[٦] كذا في ح. و قد مر في أكثر من موضع في الأجزاء السابقة: و في سائر الأصول هنا: «عمر بن حفص الثقفي».
[٧] سرى عنه الثوب: كشفه.